الهيئــة القبطيــة الكنــديــة

 

مونتريال في 20 يناير 2005

حول المواطنة وحقوق الأقباط

ردا على مقال السيد المستشار طارق البشري

http://arabi.ahram.org.eg/arabi/ahram/2005/1/15/WRLD5.HTM

حنا نيك يا سيادة المستشار

 

طالعنا في جريدة الأهرام العربي الصادرة يوم 15 يناير 2005 بمقال كتبه السيد المستشار طارق البشري تحت عنوان "حول المواطنة وهموم الأقباط" ونود بادئ ذي بدء أن نذكّر سيادة المستشار ربما نسي - بأن شعار العدالة هو امرأة معصوبة العينين أي لا ترى من هو الماثل أمام العدالة. هل هو أبيض أو أسود؟ وهل هو رجل أم امرأة؟ هل هو مسلم أم مسيحي؟ ويبدو أن سيادة المستشار نسي هذا الشعار وأصدر حكمه متأثرا بثقافته الأصولية لا كرجل عدالة محايد حياداً تاما ولكن نراه مناصرا لبني دينه ضد الآخر عملا بالمبدأ الاسلامي "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما".

 

سيادة المستشار،

أنت تحاول إنكار أن للأقباط مشكلة وهي مشاكل تتعلق بحق المواطنة المتساوية مع إخوتهم المسلمين متساوون في الحقوق تماما وفقا للمادة 40 من الدستور وأنت تعلم جيدا أنه في التطبيق العملي هناك صور شتى للتمييز والتفرقة ولعل أبرزها ما يتعلق بانشاء دور العبادة الأمر الذي سبق أن تعرضت له لجنة برلمانية برئاسة الدكتور العطيفي منذ نوفمبر 1972. هل سيادة المستشار على علم بهذا التقرير (أو يرغب أن نرسل له نسخة منه). وقد انتهت تلك اللجنة البرلمانية بأن أصدرت توصيات وطنية تقضي على الفتنة ومسبباتها لو كانت الدولة نفذتها في حينه لما كنا وصلنا الى ما نحن عليه الآن من تعسف واعتداءات متكررة وحرمان وظلم وتمييز ضد الشعب القبطي مما يخالف المادة 40 من الدستور وكافة المواثيق الدولية لحقوق الانسان التي وقّعت مصر عليها ولم تحترمها حتى الآن، ولكن للأسف الشديد ظلت توصيات لجنة العطيفي حبيسة الأدراج إلى يومنا هذا والكثير من شعبنا المصري لا يدري عن حقيقتها شيئا لا الاعلام ... بل ولا فئة المثقفين المضللين.

 

ورغم وضوح توصيات لجنة العطيفي يصر سيادة المستشار بإنكار أن هناك مشكلة للأخوة الأقباط حسب تعبيره بل يتعدى هذا الانكار بأن يحاول ليّ الحقائق وتوجيه التهم على الكنيسة القبطية وأبنائها. كم من مقال إثر مقال نشره المرحوم أنطون سيدهم ثم بعد رحيله نشر الأستاذ يوسف سيدهم في جريدة وطني تحت عنوان: "ملفات الأقباط المسكوت عليها" مندداً صارخا من تطبيق الخط الهمايوني والشروط العشرة وذلك منذ تقريبا ثلاثين عاما وجريدة وطني والأقباط في مصر والمهجر يطالبون الدولة بالغاء الخط الهمايوني والشروط العشرة وإعمال توصيات لجنة العطيفي. ويتكرر ذلك أسبوعيا تحت عمود "الأمور المسكوت عنها" وللأسف لا حياة لمن ينادي وانقلب الجميع الى الحكمة الهندية: "لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم".

 

كنا ننتظر من سيادة المستشار وهو رجل العدالة المخضرم أن ينظر للأمور بنظرة حيادية نظرة مستشار يحكم بالعدل بما يمليه عليه ضميره ومسئوليته المهنية ولقاءه مع الخالق يوم القيامة وليس بانتماءاته الأصولية فلا ُيغلب صفة الدين على المواطنة ولكن للأسف الشديد يبدو أن سمة العصر هو الانتماء الديني قبل الانتماء للوطن.

 

نحن نعلم أن سيادة المستشار مؤرخ كبير وله مؤلفات عديدة، نود أن نذكره بالعصر الليبرالي الزمن الجميل 1919-1952- تلك الفترة الخصبة والنقية من حيث إختفاء التمييز الديني وبناء الدولة العلمانية وتقلص دور الدين على الساحة السياسية. لقد تجلت فيها مظاهر الوحدة الوطنية وعاش الهلال مع الصليب وتواجد الأقباط بشكل طبيعي وملحوظ على الساحة السياسية كلها وفي كافة المراكز القيادية والسياسية ولذلك لم يكن بمستغرب أن يُنتخب ويصا باشا واصف محطم السلاسل- رئيساً لمجلس النواب (البرلمان) ولم تحدث أحداث اعتداءات بحرق الكنائس أو أية مشكلة أخرى لبناء أو ترميم الكنائس في العهد الليبرالي المأسوف عليه، و لم تحدث أي اعتداءات على الأقباط أو متاجرهم أو منازلهم.. الخ كما حدث ويحدث الآن منذ عهد السادات الى يومنا هذا وهذا بفضل ثقافة التعصب والكراهية المنتشرة خلال وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والتعليم منذ نعومة الأظفار الى اللحد "بكراهية الآخر" وذلك في طول البلاد وعرضها ضد الأقباط علانية تحت سمع وبصر المسئولين وأصبح الأقباط منذ ثورة العسكر 23 يوليو 1952 مستبعدين ومهمشين حتى يومنا هذا وعلى هامش الحياة السياسية غير شركاء في الوطن بعيدين بل مُستبعدين من المراكز القيادية وسلطات اتخاذ القرار ومستبعدين في كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والاعلام والصحافة والجامعات والحكم المحلي والأمن والمخابرات والبوليس بصفة عامة والسلك الدبلوماسي بصفة خاصة والصحافة لأن سمة العصر كما قلنا هو الانتماء الديني قبل الانتماء للوطن. فما قولكم دام فضلكم يا سيادة المستشار.!!!

 

يا سيادة المستشار،

يبدو أنك تنتقد الأقباط الذين يلجأون الى الكنيسة ولديهم شكاوى لظلم وظيفي مثلا أو خلافه وتتساءل لماذا يلجأون للكنيسة لبحث هذه الشكاوى والعمل على حلها وأنه يجب أن يلجأ صاحب الشكوى للسلطة الوطنية فهي المسئولة عن حل كل مشاكل مواطنيها.

 

ربما سيادة المستشار يظن أن مصر تعيش في عصر سيادة القانون وليس في دولة ثيوقراطية دينية طبقا للمادة الثانية من الدستور المصري (لعلك يا سيادة المستشار تتذكر هذه المادة وتفعيلها) التي تعتنق دينا خاصا ينص عليه دستورها وبالتالي تكون الدولة قد إستبعدت جزء من مواطنيها وبإنتشار ثقافة التعصب والكراهية وعدم قبول الآخر وتكفير المسيحيين بدءاً من مدارس الأطفال الى أعلى مستويات الدولة. لقد إختفت شعارات "الدين لله والوطن للجميع" و "عاش الهلال مع الصليب" وحل محله شعار "الاسلام هو الحل" في عصرنا الأغبر. ان تيار الاسلام السياسي المهيمن على الحياة السياسية في البلاد لا يعترف بمفهوم المواطنة أو الوطن ولكن ولاءه الأعمى هو للاسلام ونصرة المسلم اينما كان. ودولتنا السنية تُعمي بصرها عن كل هذه الانتهاكات الفظيعة لحقوق جزء رئيسي من مواطنيها وللأسف الآن يركب الموجة بعض المثقفين ويبدو أن سيادة المستشار انضم لهؤلاء.!!!

 

سيادة المستشار،

ربما تعلم أو لا تعلم أن الكثير من المواطنين الأقباط يرسلون كما أبديت ملحوظة في مقالك- إلى المختصين في الدولة بشكاواهم بدءاً من الصحافة والكتاب ومديري الهيئات الحكومية والوزراء ورئيس الوزراء والسيد رئيس الجمهورية بشكواهم سواء المتعلقة ببناء كنائس أو تعسف الادارة أو تخطي في الترقية أو عدم تعيينه لأنه مسيحي "كافر" كما رأينا في اعلانات بعض الشركات التي تعلن "غير المسلم يمتنع من تقديم الطلبات لهذه الوظيفة" فأمام هذا التعسف والتعصب يلجأ المتضررين الى كنيستهم ولعل وعسى تحل مشكلتهم. وبالمناسبة كم من الأقباط لجأوا إلى أعضاء مجلس الشعب الموقر دون جدوى لأنه يبدو أن مجلس الشعب يهتم أكثر بالتصفيق والتهليل والنفاق بارك الله فيهم وجعلهم نوابا صالحين.. آمين.

 

سيادة المستشار،

لقد سئم الأقباط من ترديد كليشهيات مملة من قبيل "النسيج الواحد"، "اخوة في الوطن"، "لا فرق بين عنصري الأمة"، "فتنة خارجية"، "أقباط المهجر وأمريكا واسرائيل... الخ".

 

ان إفلاسية هذه الشعارات الجوفاء لا تظهر إلا حينما نتحدث عن المشكلة القبطية التي تتخلص في حق المواطنة الكاملة المتساوية مع المواطنين المسلمين فيُبدي بعض الكتاب إياهم لانكار المشكلة القبطية تماما وأن الأقباط يعيشون أزهى العصور الآن ويكيلون تهم المؤامرة الخارجية وخيانة أقباط المهجر وكل هذا التهويش الصحافي والتصريحات العنترية التهويشية لاخماد صوت الأقباط لتكميم أفواههم وأقلامهم وإرهابهم سيكولوجيا وللأسف الشديد يشترك في هذه الحملات التهويشية بعض الصحف الصفراء وبعض الصحفيين المأجورين المضللين وهم صحفيين مثقفين وشخصيات كان واجبها الوطني أن تفكر في حلول للمشكلة القبطية لا أن تزايد على الخطاب الرسمي في تجاهل هموم الأقباط أو في إنكار وجودها تماما وتزايد في إتهام كل من يحاول أن يتصدى لهذا الأمر القومي الوطني بأساليب قانونية وعقلانية وعلمية.

 

ما الحل اذن!!!

 

الحل هو العودة الى ليبرالية كاملة، مجتمع مدني ليبرالي ديمقراطي مثلما كان الحال عليه في العصر الذهبي للتآخي والتكافل والمساواة بين بين المسلمين والأقباط فيما بين عامي 1919 و 1952 مما يعطي حق المواطنة الكاملة المتساوية لكل المواطنين بغض النظر لانتماءاتهم الدينية أو السياسية مع تغيير المناخ العام بدءاً من برامج التعليم والاعلام وذلك بنشر ثقافة المحبة وقبول الآخر أي باختصار يكون فيه الوطن فعلا للجميع.

 

هل مازلتم في مصر تتذكرون القول المأثور "الدين لله والوطن للجميع"

"واذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عز وجل عليك".

 

 

د. سليم نجيب

 

رئيس الهيئة القبطية الكندية

دكتوراه في القانون والعلوم السياسية

محام دولي وداعية حقوق الإنسان - قاض سابق

عضو اللجنة الدولية للقانونيين بجنيف

Fax: (514) 485-1533

E-mail: ssnaguib@symptatico.ca or ssnaguib@hotmail.com