تنوير الكتاب من الجهل لقانون النصح والإرشاد

GMT 18:15:00 2005 الإثنين 14 مارس
 

قبل أن أدخل مباشرةً إلي موضوع جلسات النصح والإرشاد التي تنظم لمن يريد أن يشهر إسلامه، أريد أن أسرد القصة التالية لعلها تساعد على فهم أهمية هذه الجلسات بالنسبة للكنيسة القبطية.
كنت سائراً في يوم ما على كوبري قصر النيل وشاهدت فتاة تحاول أن تقفز من فوق هــذا الكوبري لتنتحر، فأسرعت إليها ومنعتها من أن تنتحر وصاحبتها حتى محطة الأوتوبيس في ميدان التحرير وتكلمت معها وعرفت أنها فتاة مسلمة ولكن هذا لم يمنعني من نصحها لكي تعود إلي عائلتها وانتظرت حتى ركبت وذهبت في سلام.
هل يستطيع أحد أن يتهمني أنني تعديت على حرية هذه الفتاة بنصحها ومنعها من الانتحار وإنقاذها من الموت؟ أليس بفعلي هذا قد رددت الأمل لفتاة يائسة من حياتها ومن أسرتها؟ ماذا سيكون رد فعل أسرة هذه الفتاة عندما تعلم أن أبنتها ماتت منتحرة؟
أذن هناك مواقف في الحياة تتطلب منا أن نتدخل وننقذ الآخرين من الموت المحقق. وهذا هو الموقف بالنسبة للكنيسة القبطية تجاه أبنائها.
لا تستطيع الكنيسة بأية حال من الأحوال أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى أن البعض من أبنائها أو بناتها من القصر الذين تنقصهم الخبرة في الحياة يقعون فريسة لبعض الجماعات المتطرفة أو الشخصيات السياسية المتعصبة بمساعدة الأجهزة الأمنية والصمت المطبق لسلطات الدولة وهنا تكمن حتمية جلسات النصح والإرشاد لصغر سنهم. من المجحف حقاً أن نحاول إنكار أن هناك حالات خطف أو تغرير وخـاصة أن ذلك مـعروف منذ أيـام عـبد الناصـر وعلى وجه التحديد بـعد هـزيـمـة 1976.
ولذلك فمن واجب الكنيسة طبقاً لأيمانها وعقيدتها، (وهو نفس الموقف الذي يعتقد به الأخوة المسلمين بالنسبة لمن يخرج عن الإسلام) أن تقوم بدورها بإعطاء النصح والإرشاد طبقاً لما هو معمول به، وإزالة الأسباب التي ربما دفعت الشخص القبطي إلي الدخول في الإسلام فقط على أمل أن ذلك سوف يحل مشاكله. وهذا في حد ذاته له فائدة، فإذا كان الشخص جاداً وأن دخوله الإسلام ليس من باب الحصول على فوائد مادية أو دنيوية، فإنه سوف يصر على طلبه بدخول الإسلام. ولكن لابد أن تتم هذه الجلسة بعيداً عن وجود رجال أمن الدولة بما يعرف عنهم من أساليب الترويع والترهيب والتهديد والتعذيب واستخدام طرق غير قانونية لإجبار الشخص على تأكيد طلبه وألا...!
لقد قرأنا الكثير في هذا الموضوع الخاص بجلسات النصح والإرشاد بعد أحداث أبو المطامير والفيوم، وأعتبر البعض أن هذا العرف (وهو في الواقع تعبير ليس في مكانه). فهناك قاعدة قانونية تحكمه ونص هذه القاعدة موجود منذ عصر إسماعيل باشا منذ سنة 1863 (أي منذ حوالي 142) والذي أقر إلا يتم قبول إسلام شخص قبل استحضار قسيس ومسئول مدني قبطي للتأكد من جدية الطلب وعدم وجود أية شبهة من أي نوع أجبرت هذا الشخص على تقديم طلبه.
وقد كتب الكثيرين من الكتاب، ولكن بدون ضمير علمي وتاريخي صادق، خادعين ومضللين الرأي الإسلامي العام ومشوهين الحقائق، متظلمين من أن الذين يتنصرون من المسلمين لا تحدث معهم مثل هذه الجلسات للنصح والإرشاد! ولكن في الحقيقة أنهم يعلمون جيداً أن المتنصرين تعقد لهم جلسات نصح وإرشاد، بل جلسات إرهاب وتعذيب في أمن الدولة حتى يرجعوا عن مسيحيتهم. وبكل أسف هذا يحدث أيضاً مع بعض الذين أسلموا تحت ضغوط ظروف معينة ويريدون أن يرجعوا إلي إيمانهم المسيحي، ولكن أمن الدولة يقوم باللازم معهم في سراديبه حتى يردعهم ويصرفوا النظر عن العودة لمسيحيتهم مرة أخرى.
فلا بد من التأكيد أنه توجد بالفعل جلسات نصح وإرشاد لكل من يريد أن يغير دينه سواء من المسيحية للإسلام أو من الإسلام للمسيحية ويقوم القس أو الشيخ بدوره، ولكن المشكلة تكمن في الدور الذي يلعبه أمن الدولة ومدي تأثيره على القرار النهائي للشخص الطالب التغير. ففي أغلب الحالات يسلب أمن الدولة حرية الشخص ويجبره على اعتناق دين الغالبية،إذا أصر ورفض، فمصيره التعذيب والتنكيل إذا كان مسلماً أو مسيحياً وأراد التراجع عن قراره بالدخول في الإسلام، متحججاً بأن الدين الرسمي للدولة الإسلام والشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع وبالتالي يطبق قانون الـردة عـلي هذا الشـخص. وهو ما يتعارض مع مواد الدستور الخاصة بالحريات الفردية.
يجب ألا نصبح كأننا في سوق تجاري، الكل يتصارع لمن يكسب عميل على حساب الآخر بطرق غير شريفة وملتوية. أنا أسف أن أستخدم هذا التشبيه لشرح ما يحدث حالياً. فمن المفروض أن نخاف الله وألا نتاجر باسمه. فلا بد من أعطاء مساحة كاملة من الحرية لكل إنسان في أن يختار عقيدته وأن تكون الدعوة الإسلامية والتبشير المسيحي بالقدوة الحسنة وبالتي هي أحسن، والبعد عن الترغيب والترهيب. فالله سبحانه وتعالي لا ينتظر منا إلا أن نحبه وأن نحترم الإنسان الذي خلقه حراً أن يؤمن به بكامل إرادته. فما علينا إلا أن نبشر أو ندعو باسمه، ولكن القرار النهائي الذي يجب أن نحترمه هو قرار ذلك الإنسان الحر الذي يسمع ويفكر ويختار بكامل حريته العقيدة التي أقتنع بها.

دكتور وحيد حسب الله
دكتور في العلوم اللاهوتية
باحث بمرصد الأديان بجامعة لوزان بسويسرا
waheed@urbanet.ch