اكدت أن الاستثمار في نظام مبارك لم يعد مجديا

صحيفة كريستيان ساينس مونيتور تطالب بوش باستخدام العصا الغليظة ضد النظام المصرى

 

من الواضح أن مظاهرات كفاية والقبض علي أيمن نور قد أدت لحالة من التوتر في العلاقة بين مصر وأمريكا علي المستوي الرسمي وأصبحت المطالبات تتصاعد داخل أمريكا بضرورة قطع المعونة السنوية التي تقدمها لمصر أو علي الأقل ربطها بمدي التقدم في الإصلاح السياسي والديمقراطي داخل مصر.

أن الأوضاع الديمقراطية المتدهورة في مصر تمثل سببا رئيسيا في الإعلان عن تأجيل اجتماع وزراء خارجية الدول الثمان الصناعية الكبار مع وزراء الخارجية العرب وقد ظهر ذلك واضحا في المؤتمر الصحفي الذي عقدته كوندوليزا رايس وزير الخارجية الأمريكية مع نظيرها المصري أحمد أبوالغيط 15 فبراير وفي الرد الذي رد به المتحدث باسم الرئاسة المصرية من أن مصر لا تقبل أي تدخل أجنبي في قضية أيمن نور.

وقد ذكرت القاهرة أن الاجتماع الذي كان مقررا له الانعقاد يوم 3 مارس تقرر تأجيله بناء علي طلب الحكومات العربية التي أرادت له أن يتم بعد مؤتمر القمة العربي المقرر في الجزائر أواخر مارس إلا أن أحد البلوماسيين ذكر لنا أنه ربما يكون هناك بعض الحقيقة في هذا البيان ولكننا نشك في أنه هو السبب الأوحد لتأجيل ذلك الاجتماع. وأضاف الدبلوماسي قائلا: لقد عاد وزير الخارجية أبوالغيط من أمريكا منذ فترة وجيزة وقد أثيرت مسألة القبض علي المعارض المصري معه من قبل وزيرة الخارجية الأمريكية مما جعل من الصعوبة بمكان عقد الاجتماع في التوقيت المحدد له وبالصورة التي كانت مأمولة منه.

ومن جانبه أحدثت الضغوط الأمريكية ردود فعل متباينة بين المصلحين والنشيطين السياسيين المصريين حيث يخشي الكثير منهم أن تؤدي هذه الضغوط إلي تدمير جهودهم في الإصلاح لأن خصوم الإصلاح في الصحافة والحزب الحاكم تسعي لاستخدام هذه الضغوط في تلطيخ سمعة المطالبين بالإصلاح وابرازهم كما لو كانوا عملاء أمريكا. وقد رد عبدالحليم قنديل أحد منظمي مظاهرة كفاية علي هذه المحاولات قائلا: إن الحركة الشعبية من أجل الديمقراطية والتغيير ترفض أي تدخلات أو ضغوط أجنبية وخصوصا من الولايات المتحدة بسبب تأييدها ودعمها غير المشروط لإسرائيل. وعلاوة علي ذلك يقول قنديل إن رؤية أمريكا للإصلاح في العالم العربي تعتمد علي تكرار نموذج العراق بينما نحن لدينا رؤية أخري تقوم علي مواجهة أمريكا والنظام الحاكم في مصر معا الاثنين.

وقد جاءت مظاهرة كفاية والقبض علي أيمن نور وتأجيل اجتماع وزراء خارجية الصناعية الكبري مع نظرائهم العرب لكي تصب الزيت علي النار في واشنطن وتزيد من حملات الصحافة ومؤسسات الإعلام الأمريكية ضد الأوضاع الديمقراطية المتدهورة في مصر وهي حملات متواصلة بصورة دائمة وحادة منذ أكثر من شهر تقريبا تتهم بوش بتجاهل ممارسة أي ضغوط علي الحكومة المصرية للتحول نحو الديمقراطية ووصل الحال بضغوط الصحافة الأمريكية والتي انضم إليها عدد من نواب الكونجرس بالمطالبة بقطع المعونة الأمريكية السنوية لمصر أو جعلها مشروطة بمدي الانجاز الديمقراطي في مصر. ومن أكبر الصحف الأمريكية المنضمة لهذه الحملة علي الحكومة المصرية مجلة كريستيان ساينس مونيتور التي قامت في 22فبراير الماضي بكتابة مقالها الافتتاحي بعنوان يجب علي بوش التهديد بقطع المعونة لو أراد للديمقراطية أن تنمو في مصر يقول المقال بينما يسعي الرئيس بوش لزيادة جرعة الحريات السياسية في الشرق الأوسط من أجل تقليل مخاطر العنف والإرهاب الإسلامي المصدر منه فإن عليه أن يدرك أن هناك أنواعا مختلفة من السهام يمكن أن يستخدمها في إصابة هدفه. في البداية استخدم بوش غزو العراق لكي تأتي الانتخابات  كثمرة لها ولكي تضع هذا البلد علي طريق الديمقراطية وفي جوار العراق فهمت المملكة العربية السعودية هذه الرسالة وقررت أن تعقد أول انتخابات بلدية يوم 10 فبراير الماضي رغم أن الرجال فقط هم الذين سمح لهم بالتصويت فيها علاوة علي أن المناصب الناتجة عنها مجرد مناصب شرفية كما قام بوش بعد التفجير الذي حدث في بيروت ومقتل الحريري لكي يصعد من ضغوطه علي سوريا للانسحاب من لبنان والتوقف عن التدخل في شئونه السياسية وبالنسبة لإيران قدم بوش وعدا للإصلاحيين الإيرانيين بالوقوف بجانبهم للخلاص من نظام آيات الله في طهران ولكن إذا وضعنا كل هذه البلاد في جانب بمفرده ستبقي الجائزة الكبري في رؤية بوش بتحويل الشرق الأوسط للديمقراطية في جانب آخر كما هي وبدون أي إصلاح. وهذه الجائزة الكبري نقصد بها مصر التي تعتبر أكبر البلاد العربية من حيث السكان وهي العملاق السياسي الأكبر في هذه المنطقة الحيوية. في هذا البلد تتهاوي رؤية بوش عن الديمقراطية ولا تحقق أي انجاز. كان بوش قد أوضح موقفه من مصر في خطاب الاتحاد الذي ألقاه ونوه فيه إلي أن مصر بإمكانها قيادة المنطقة نحو الديمقراطية مثلما قادتها نحو السلام. ثم أعاد تكرار نفس الرسالة في الخطاب الذي ألقاه في بروكسل يوم 21 فبراير، ولكن للأسف ذهبت كل هذه الدعوات والرسائل أدراج الرياح وكل ما تفعله هو زيادة عناد الديكتاتورية في مصر. هناك من يقول إن مصر لها وضع خاص وتحتاج إلي بعض المرونة في التعامل معها وتبني الاسلوب الخاص بها في الديمقراطية. إلا أن الحقيقة تبقي أن الرئيس المصري مبارك قد تصرف بعناد شديد تجاه مسألة المطالبة بالديمقراطية سواء أكانت هذه الدعوة صادرة من النشيطين السياسيين الإصلاحيين داخل مصر أو كانت صادرة عن جورج بوش نفسه ومن هنا فإن بوش يحتاج إلي أن يواصل ضغوطه. لقد تولي مبارك الحكم في عام 1981 أو منذ 24 عاما تقريبا ومع ذلك فهو يفكر في إعادة ترشيح نفسه في انتخابات المرشح الوحيد التي تعود عليها والتي ستجري مرة أخري في أكتوبر المقبل.

وحتي يستعد مبارك لهذه الانتخابات قام بتلطيخ رؤية بوش بالطين عندما قام بالقبض علي النائب المعارض أيمن نور الذي يرأس حزب الغد. وهكذا وبهذه الأساليب يتمكن مبارك من تجنب الضغوط الأمريكية ومعتمدا أيضا علي الدور الذي يلعيه في تحقيق السلام الإسرائيلي الفلسطينى. كما أنه يدعي ولكن بصورة غير حقيقية بأن تحقيق الديمقراطية سوف يفتح الباب أمام المتطرفين الإسلاميين ممن قام بقمعهم للوصول للسلطة ولكن الحقيقة أن نقص الديمقراطية في مصر هو الذي يهيئ الظروف لبروز هؤلاء المتطرفين باستمرار ومن هنا يجب علي بوش أن يلجأ إلي استخدام أسلوب العصا الغليظة مبكرا وقبل أن يتم استفتاء إعادة انتخاب مبارك وهذه العصا هي التهديد بوقف المعونة السنوية المقدمة لمصر والمقدرة ب 1.8 مليار دولار سنويا.

وقد لا تكون هذه العصاة كافية لإحداث الأثر المطلوب لأن مبارك وبكل بساطة قد يقوم بتهيئة الأمور لابنه ويضمن له النجاح في الانتخابات!! بينما يسمح في نفس الوقت بخلق مجرد قشرة خارجية مزيفة من الحرية السياسية. يجب علي بوش أن يعلم أن أهم قيادات القاعدة جاءوا من مصر كما يجب عليه أن يعلم أيضا أن الاستثمار في نظام مبارك لم يعد مجديا بعد أن أثبت هذا النظام أنه كان خيبة أمل كبيرة ليس فقط لأمريكا ولكن لشعبه وللعالم العربي كله

==========================