بيان

بمناسبة ذكرى الانقلاب  العسكري في مصر عام 1952

كفاية .. دعوة لإعادة العسكر إلى ثكناتهم

 

 

في مثل هذه الأيام وقبل ثلاثة وخمسين عاماً كنت شأن ملايين المصريين ممن علقوا آمالاً كبيرة على حركة الضباط الذين كانوا قد رفعوا في البداية شعار (الاتحاد والنظام والعمل)، ومكافحة الفساد حول الملك فاروق وحاشيته، وتعلقت بهؤلاء الضباط آمال جيلي باعتبارهم تجسيداً لنهضة مصر، والارتقاء بشأنها بين الأمم، وتكاتفنا جميعاً خلف الضباط الثوار، ودافعنا عنهم ضد الجميع، بمن في ذلك جيل آبائنا الذين توجسوا خيفة منهم منذ اليوم الأول .

مياه كثيرة جرت في النهر، وأكاذيب يومية تنفسناها، وخرافات لا حصر لها اضطررنا إلى الإيمان بها، كالاشتراكية والقومية العربية والتنظيم الطليعي وتقديم أهل الثقة على أهل الخبرة، وغير ذلك من الخرافات، حتى كانت الطامة الكبرى في يونيو 1967، التي هزت جيلنا كله بعنف، وأجبرتنا على التوقف مع الذات طويلاً وعميقاً، لوضع "حساب ختامي" لهذه "الثورة" أو "الحركة"، وما آلت إليه أوضاع بلادنا على يديها، لنكتشف الحقائق المريرة وأبسطها أنها لم تكن أبداً "ثورة" بل مجرد انقلاب عسكري، وسطو على مقدرات الوطن، كما أنها لم تصادر الأموال والخبرات والكفاءات فحسب، بل صادرت الوطن كله لصالح أحلام الزعامة الشخصية لعبد الناصر، وحولته إلى "قشلاق" كبير عاث فيه العسكر فساداً وتنكيلاً، وانقضت على الحريات العامة بمزاعم "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، بينما خسرنا كل المعارك، واحتل ثلث الوطن، وانكسر قلب أبنائه، واعتقل ونكل بأفضل نخبه من اليسار واليمين، ومن المسلمين والمسيحيين، وتفشت ظواهر الرشوة والفساد وترهل الجهاز الإداري للدولة، وفرض الحصار على الشعب بأسره، فمن يسافر يحتاج إلى "إذن بالسفر"، ومن ينطق بكلمة يوضع تحت المراقبة، وقد يعتقل ويلاحق في رزقه وحياته، وهكذا تحول الحلم إلى كابوس بغيض، والوطن إلى سجن كبير .

الآن وبعد أن انتهت كل شعارات الثورة المزعومة، إذ لم يبق منها شئ على أرض الواقع السياسي، ومع ذلك ينص الدستور المصري القائم على "النظام الاشتراكي وتحالف قوى الشعب"، وليس هذا وحده ما يثير السخرية، بل لعلني لا أبالغ إذا وصفت ما وصلت إليه أحوال مصر برمتها بأنها تدعو للسخرية المريرة، فأبناء الضباط الاشتراكيين هم الآن من كبار الرأسماليين في مصر، وأحفاد الثوار يديرون منتجعات للسياحة الفاخرة، ومتاجر ضخمة للتسوق الاستهلاكي، بينما مازال الفقراء الذين طالما ندبوا أنفسهم للدفاع عنهم، يرزحون تحت الفقر والعوز والمرض والمهانات اليومية والبطالة والاستبداد والقمع و.. و..

الآن وبعد مرور 53 عاماً مازال النظام الحاكم في مصر يتسول شرعيته من انقلاب يوليو المشؤوم، ويسوق نفسه باعتباره وريثاً لهذا الانقلاب، وهذه حقيقة، فمن يحكم مصر الآن هم نفس الضباط وإن خلعوا البزات العسكرية، فرئيس الجمهورية ضابط، وكبار المسؤولين في مصر ضباط، وحتى المحافظون ورؤساء الهيئات والمؤسسات ضباط، وكثيرون من الدبلوماسيين ضباط، ومازالت مواقع المسؤولية في مصر توزع كغنائم يكافئ بها الضباط، الذين لا خبرة لهم في أي من المجالات التي اغتصبوها ونصبوا أنفسهم وأصهارهم وأقاربهم عليها، وبالتالي كان طبيعياً أن يترتب على ذلك خراب شامل كامل، وأن تتراجع الكفاءة والنزاهة لصالح الفشل والفساد، وانتشرت في مصر الوساطة والمحسوبية والرشوة على حساب الكفاءة والشفافية، وتصدر المنافقون الصفوف في كل مجال، وهاجرت الكفاءات هرباً من التمييز والاضطهاد، وفي المحصلة النهائية فإن البلاد تقف على حافة الهاوية، لم يعد هناك مفر من الاعتراف بأن أحوال مصر ساءت إلى درجة لم تعرفها منذ قرون، وهي النتيجة الحتمية التي يتحمل مسؤوليتها النظام العسكري الفاشي الفاشل، الذي أتى به الانقلاب المشؤوم، ولكن للأسف يدفع البسطاء والفقراء ثمن كل هذا، بينما يتمتع العسكر وأبناؤهم بمنتجعات شرم الشيخ والساحل الشمالي، فإن أبناء الفقراء يقعون فرائس للمخدرات والبطالة والتطرف الديني، الذي صنعه العسكر، منذ أن تحالفوا مع الإخوان المتأسلمين قبل الانقلاب، وحتى استعانوا بهم لضرب القوى الشعبية في السبعينات والثمانينات، واتخذوا هذا التطرف الديني والإرهاب فزاعة للتنصل من أجندة الإصلاح والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والأقلية المسيحية التي شهدت اضطهاداً وتمييزا غير مسبوقين، وكما حدث أثناء المعارك العنترية مع إسرائيل، وما استتبعها من شعارات "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، يحدث الآن أن يرفع نفس الضباط أو أبناؤهم شعار الاستقرار، لإسكات أي صوت معارض، والالتفاف على الضغوط الوطنية والدولية .

وفي الختام لا يسعني إلا أن أسجل للتاريخ وللوطن وللأجيال القادمة دعوة هؤلاء العسكر للعودة إلى ثكناتهم، وأن يدعوا المجتمع والشعب يتنفس هواء نقياً ويفرز من يقوده نحو بر الأمان، وكفاكم ما ارتكبتموه من جرائم بحق مصر والمصريين، ولعل كلمة "كفاية" التي يرددها المصريون بصوت عال تلخص كل شئ، فهل تجد آذاناً صاغية ؟، أم أنه ينبغي أن ننتظر مزيداً من الكوارث حتى ترحلوا ؟

 

   مهندس / عدلي أبادير يوسف

رئيس المؤتمر الدولي لأقباط المهجر

      زيورخ ـ سويسرا