قضايا و اراء

43225

‏السنة 129-العدد

2005

ابريل

11

‏2 ربيع أول 1426 هـ

الأثنين

 

رحيل إنسان عظيم
بقلم : د‏.‏ القس إكرام لمعي

 

في عام‏1983‏ كنت ضمن مجموعة من الدارسين في معهد مسكوني يقوم بتدريس الحوار المسيحي المسيحي تابع لمجلس الكنائس العالمي بسويسرا لمدة خمسة أشهر‏,‏ وكانت هذه المجموعة تضم تسعين قائدا كنسيا من القارات الخمس ومن جميع الطوائف المسيحية والهدف من الدراسة كان الحوار والمعايشة المسكونية‏,‏ وفي نهاية الفترة اختاروا تسعة من الدارسين للقاء البابا الجديد في الفاتيكان يوحنا بولس الثاني وكنت واحدا منهم‏,‏ وأثناء اللقاء طلب البابا أن يجلس مع مندوبي مصر وجواتيمالا واليابان‏,‏ وجلسنا معه مدة عشرين دقيقة كان نصيب مصر منها أكثر من عشر دقائق‏,‏ ولن انسي هذه الدقائق العشر ماحييت‏,‏ فخلال هذه الدقائق العشر سألني ثلاثة أسئلة في منتهي الاهمية بدأها بمقدمة عن أهمية مصر كدولة محورية في الشرق الأوسط‏,‏ ثم تحدث أكثر من دقيقتين عن أنور السادات‏,‏ الرجل السياسي المحنك‏,‏ الذي نادرا ماتفرزه دول العالم الثالث حيث أنه استطاع وبذكاء سياسي خارق أن يرصد اتجاه الريح وأن يحول مصر من الكتلة الشرقية إلي الغربية وخاصة أمريكا وأن مقولته‏.‏ أن‏99%‏ من أوراق اللعبة في يد أمريكا كانت نبوءة حقيقية عن دور أمريكا القادم في العالم كله‏,‏ وأن قفزته نحو المجهول ع
ندما طرد الخبراء السوفيت‏,‏ ثم قام بزيارته لاسرائيل سبقت زمنه بعشرين سنة علي الأقل ولما رأي الامتعاض وعدم الموافقة علي وجهي قال‏:‏ أنا أعلم أنكم جيل ناصر وإنكم لن تستوعبوا قفزة السادات اليوم‏,‏ لكن ثق أن الاتحاد السوفيتي سينهار‏,‏ وهنا فاجأني بسؤال‏:‏

من هو حسني مبارك؟ أريد أن أعرفه‏..‏
قلت‏:‏ أن من أول الاسـئلة التي وجهت إلي حسني مبارك من الصحفيين عقب توليه الرئاسة كانت‏:‏ هل أنت ناصري أم ساداتي؟ وهنا فتح البابا عينيه علي اتساعهما وركز في إجابتي فأضفت‏..‏

كانت إجابة الرئيس أنا اسمي حسني مبارك وهنا هتف برافو ثم أردف‏:‏ إن مصر الآن لاتحتاج إلي زعماء ولا إلي مغامرين‏,‏ إنها تحتاج إلي سياسي محنك يستخدم الأوراق التي بين يديه أفضل استخدام ليضع مصر في المكان المميز علي خريطة العالم‏,‏ إن امريكا وأوروبا الغربية اليوم علي استعداد دائم للتجاوب والتعاون معكم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وهذا ماكان السادات يأمله‏.‏

ثم سألني بعد ذلك عن الحوار الاسلامي المسيحي في مصر‏,‏ وعن الموقف الرسمي من جماعات التطرف فقلت إن موقف الدولة واضح من الجماعات المتطرفة إلا أن شوكتهم تزداد يوما بعد يوم خاصة بعد مصرع السادات‏,‏ ولايوجد لدينا مايسمي بالحوار الاسلامي المسيحي‏,‏ قال إن الحوار الاسلامي المسيحي ضروروة قصوي هذه الأيام لأنه السبيل الوحيد للوقوف ضد التعصب الذي ينشئ التطرف‏,‏ لكنه لن يأخذ قوته ومداه إلا بعد غياب الشيوعية من الصورة وسقوط الاتحاد السوفيتي وكان الرجل يتحدث بيقين غريب‏,‏ وكنت اشعر أن هذه احلام الرهبان المتبتلين‏,‏ الذين يتخيلون أمورا كالمعجزات يمكن أن تقع في عالمنا المادي‏,‏ لقد كانت هذه رؤية البابا يوحنا بولس الثاني كما فهمتها منه منذ مايقرب من اثنين وعشرين عاما ولم يترك الرجل كرسيه حتي حققها ورآها بعينيه المجردتين‏,‏ وبعد نحو شهر من اللقاء تلقيت رسالة من مكتبه بتوقيعه يشكرني فيها علي الحديث ومعها بعض من صور اللقاء‏,‏ وساعتها قلت في نفسي أن هذا الرجل رجل عظيم بحق وسوف ينجح في رسالته لأن العظيم هو الذي يهتم بالتفاصيل الصغيرة‏,‏ وهكذا رحل عن عالمنا من نقول عنه بفخر لقد عشنا في زمانه‏