تقارير المراسلين

43178 ‏السنة 129-العدد 2005 فبراير 23 ‏14 من محرم 1426 هـ الأربعاء

 

 

كتاب دفاعا عن الديمقراطية

شارانسكي يشن هجوما لاذعا علي مصر

ويقول إن احتمال الحرب معها مازال قائما

 

واشنطن‏:‏ خالد داود

 

بينما كانت الأهرام تواصل عرض كتاب الوزير الإسرائيلي والمنشق السوفيتي السابق ناتان شارنسكي‏'‏ دفاعا عن الديمقراطية‏'‏ قام الرئيس الأمريكي جورج بوش بجولته الأولي إلي أوروبا منذ أن بدأ رسميا فترة ولايته الثانية والتي قال المسئولون في البيت الأبيض إنها تهدف إلي إحياء التحالف اليورو‏-‏أطلسي الذي أضعفته الخلافات الحادة حول حرب العراق ورؤية الرئيس الأمريكي لكيفية إدارة ما يسميه بحربه ضد الإرهاب‏.‏ وكان المدهش أن أول خطاب لبوش ألقاه في القارة الأوروبية في بروكسل بدا وكأنه يقتطف مجددا فقرات كاملة من كتاب شارنسكي الذي بات بمثابة نبراسه الهادي والمرجع النظري للاستراتيجية التي يتبناها كرئيس للقوي العظمي الوحيدة في العالم‏...‏ خطاب بوش أكد تبنيه لما يدعو له شارنسكي من ضرورة أن تمثل قضية الحرية والديمقراطية أولوية في السياسة الخارجية لدول العالم الحر وأن يقوموا بربط تطور علاقتهم ببقية دول العالم.

 

بمدي درجة احترامهم لحقوق الإنسان دون أن يتم اعتبار ذلك تدخلا في شئونهم الداخلية بل حماية للأمن والسلم العالميين‏.‏ فالرئيس بوش كرر في خطابه يوم الإثنين نظرته القائلة بأن دعم تقدم الحرية في العالم هو الضمان الأفضل لحماية الأمن والسلم الدوليين وخاصة في منطقة الشرق الأوسط لكي يتوقف عن تصدير‏'‏ أيديولوجيات القتل وإرهابيين يسعون لامتلاك أكثر أنواع الأسلحة تدميرا‏.‏ والنظم التي ترهب شعبها لن تتردد في مساندة الإرهاب في الخارج‏...‏إن مستقبل دولنا ومستقبل الشرق الأوسط مرتبطان‏,‏ وتمتعنا بالسلام يعتمد علي نمو الأمل والتنمية والحرية لديهم‏.'‏ ودعا بوش الدول الديمقراطية إلي تحمل مسئولياتها‏'‏ ويجب أن نقف إلي جانب المصـلحين الديمقراطــيين ويجـب أن نشـجع الحـركات الديمقراطية ونساند التغيرات الديمقراطية بطرق عملية‏.'‏

 

وكانت هذه النقطة تحديدا هي التي تناولها شارانسكي في نهاية الفصل الثالث من كتابه وذلك بالقول إن نشر الديمقراطية في العالم سيساهم في ترسيخ السلام وذلك لأن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها‏.‏ ويقر الوزير الإسرائيلي‏(‏ الذي كان آخر‏'‏ انجازاته‏'‏ لنشر السلام في العالم رفض خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون للانسحاب من غزة يوم الاحد الماضي بدعوي أنه يتم تقديمها دون مقابل ودون تحقيق تقدم نحو الديمقراطية في مؤسسات السلطة الفلسطينية‏)‏ يقر في نفس الوقت بأن كل شعوب العالم تكره الحروب حتي لو كانت تعيش في ظل نظم غير ديمقراطية‏.‏ ويقول أن البعض قد يستغرب صدور هذا الرأي منه كإسرائيلي يدرك أن الكثير من الفلسطينيين لديهم الاستعداد للاستشهاد من أجل قضيتهم‏.'‏ والرد علي ذلك هو انه يجب علينا ألا نفترض أن كل أو معظم الفلسطينيين الذين يكرهون إسرائيل لديهم استعداد للموت في حروب أو حملات إرهابية ضد الدولة اليهودية‏.'‏ ويحمل المسئولية بالطبع في هذا الصدد إلي السلطة الفلسطينية مجددا بسبب الدعاية التي تنشرها ورفضها قيام ديمقراطية حقيقية بزعم أنها تدرك أن ذلك قد يؤدي إلي فقدانها للحكم‏.‏

 

ويقول إن ما يجعل الوضع مختلفا في المجتمعات الحرة هو آليات الديمقراطية نفسها والتي تجعل الحكام يعتمدون في استمرارهم في الحكم علي شعوبهم وبالتالي لا يمكنهم خوض حرب لا تحظي بتأييد شعبي واسع‏.‏ كما أن هذه الشعوب ستضغط علي حكوماتها لتبني أي بديل آخر للحرب إذا كان ذلك ممكنا وإذا لم تفعل ذلك فسيتم استبدالها في انتخابات حرة‏.‏ ولكن العقلية الأمنية الداعية لاستخدام القوة بزعم حماية الديمقراطية تعود لتفرض نفسها علي فكر شارانسكي وذلك بتحذيره من أن التوجهات السلمية للشعوب الحرة قد تتحول إلي خطر في وقت ما إذا منعت حكوماتها من توجيه ضربات وقائية ضد أخطار كامنة‏.‏

 

أما الأنظمة القمعية فإن حالة الحرب تمثل لها فرصة سانحة لضمان بقائها في الحكم ولذلك فإنها تلجأ دائما إلي خلق أعداء خارجيين وذلك لحشد الجماهير حول النظام وللفت الانتباه عن الحالة المزرية التي يعيشون فيها‏.‏ ويشير في هذا الصدد إلي لجوء الاتحاد السوفيتي السابق إلي خلق حالة متواصلة من العداء ضد الغرب واعتبار التنافس الاقتصادي معه أولوية حياة أو موت‏.‏ كما يلجأ النظام أيضا إلي خلق أعداء داخليين من أجل الحفاظ علي تماسك المجتمع‏.‏

 

ويشير إلي أن هذه الاستراتيجية تبقي مطبقة في دول مثل كوريا الشمالية وسوريا وإيران ودولة خليجية نفطية‏'‏ والتي استخدمت خطر العدو الخارجي للحفاظ علي ترف الأسرة المالكة ولتبرير حكمها القمعي‏.‏ وبينما كانت تلك الدولة تدعي صداقتها للولايات المتحدة والغرب فإن سياساتها أدت إلي حشد الملايين من المستعدين لخوض حروب ضد الغرب والمسيحيين واليهود وحتي مسلمين آخرين‏.‏ وكان ذلك كله يتم فقط بهدف الحفاظ علي الاستقرار الداخلي لتلك الدول‏.'(‏ في خطاب الرئيس بوش في بروكسل كرر تخليه عن سياسة واشنطن السابقة التي تتساهل مع التعايش مع أنظمة ديكتاتورية بحجة حماية الاستقرار وذلك بعد أن تبين أن هذه السياسة‏'‏ تؤدي إلي المزيد من الغضب في منطقة مضطربة والمزيد من المآسي في العالم الحر‏'‏ في إشارة إلي هجمات‏11-9.)‏

 

كما يشدد شارانسكي علي أن التوصل إلي سلام مع النظم الديكتاتورية غير ممكن حيث أن آليات عمل تلك الأنظمة تجعلها عدوانية بالضرورة‏.'‏ والمجتمعات غير الديمقراطية كانت دائما بمثابة برميل بارود قابل للانفجار ولكن اليوم فإن قوة ذلك الانفجار ستكون أكثر دمارا مما كان عليه الحال في الماضي‏.‏ ففي عصر أسلحة الدمار الشامل والإرهاب العالمي فإن مخاطر تجاهل غياب الديمقراطية في أي مكان في العالم زادت بشكل درامي‏.'‏ وحتي في هذا الصدد فإن شارانسكي يحاول تبرير امتلاك الدول‏'‏ الحرة‏'‏ لأسلحة نووية مقارنة بدولة مثل كوريا الشمالية قائلا إنه في حالة الأنظمة القمعية تزداد خطورة هذه الأسلحة واحتمال نقلها إلي جماعات إرهابية‏.‏

 

ولا ينفي شارانسكي أن الدول غير الديمقراطية يمكن أن توقع اتفاقيات سلام ولكن لا يمكن الوثوق في دوام الالتزام بها حيث أن الأنظمة القمعية يمكن أن تتراجع عنها بسهولة لو رأت أن فيها ضررا علي هدفها الأساسي وهو الحفاظ علي استمرار بقائها في الحكم‏.'‏ ولذلك فإن السلام الحقيقي والدائم يمكن التوصل له فقط مع الدول الديمقراطية‏.'‏

 

ويستغل الوزير الإسرائيلي هذه الحجة لشن هجوم علي مصر أقل ما يقال عنه إنه يستوجب احتجاج رسمي عبر الوسائل الدبلوماسية حيث أنه يشكك في السلام القائم بين البلدين بل وبلغ به الحد القول إن حربا بين البلدين تبقي احتمالا قائما من غير الممكن استبعاده‏.‏ ويقول شارانسكي أن حقيقة أن السلام بين مصر وإسرائيل استمر لمدة خمسة وعشرين عاما لا يبعث علي الاطمئنان حيث أن الحدود الإسرائيلية مع سوريا هادئة أيضا طوال نفس الفترة رغم عدم وجود معاهدة سلام معها‏.‏ ويضيف أن السبب الحقيقي لاستمرار الهدوء علي الجبهتين هو‏'‏ قوة الردع الإسرائيلية‏.‏ كما أنني أتساءل‏:‏ إذا كانت مصر وإسرائيل في حالة سلام حقيقي فلماذا يبقي احتمال قيام حرب مستقبلية بين البلدين أمر لا يمكن استبعاده‏'‏ ويزعم أنه منذ أن تم توقيع اتفاق سلام بين البلدين‏'‏ فإن مصر أصبحت أحد أكثر الدول المعادية للسامية في العالم العربي‏.‏ وفي الواقع فإن الكراهية الشديدة التي تنبع من مصر اليوم هو نموذج واضح لكيفية استخدام خطر عدو خارجي من أجل الحفاظ علي الاستقرار الداخلي‏.'‏ ويضيف أنه‏'‏ من غير المستغرب أنه منذ توقيع اتفاق السلام المصري الإسرائيلي منذ‏25‏ عاما فإن الحكومة المصرية حاولت

الحصول علي كل فوائد اتفاق السلام من أرض ومال وشرعية ولكن من دون أن تدفع الثمن‏.‏ فالتطبيع الحقيقي كان يتطلب من الحكومة أن تتوقف عن زيادة العداء ضد إسرائيل وتبدأ في تعليم المصريين نمط حياة يقوم علي التعايش المشترك‏.‏ ولكن النظام المصري غير الديمقراطي وغير المستقر الذي حكم بقانون الطوارئ لفترة تزيد عن عقدين لم يكن باستطاعته ذلك‏.‏ بل علي العكس فإن حاجة النظام لأعداء خارجيين أدي إلي تعليم جيل آخر من المصريين كراهية إسرائيل‏.'‏ ومرة أخري يغلب الفكر الصهيوني والكراهية الشديدة التي يكنها شارانسكي للعرب والمسلمين علي تحليلاته وفهمه لواقع المنطقة وما يجري في مصر‏.‏ ويتجاهل الوزير الإسرائيلي والجاسوس السابق للولايات المتحدة أن ما تشاهده الجماهير العربية بما في ذلك مصر علي شاشات التلفزيون من أعمال قتل وقمع يومي للفلسطينيين هو الذي يؤجج المشاعر المعادية ضد إسرائيل في المنطقة وليس التوجهات الحكومية الرسمية‏.‏ بل علي العكس فإن تزايد الغضب الشعبي ضد إسرائيل قد لا يمثل دائما مصلحة للحكومات العربية التي ترغب في تهدئة الموقف والحفاظ علي علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة حامية حمي الدولة اليهودية‏.‏

 

ويدعي شارانسكي في نهاية هذا الفصل أنه كلما زادت الديمقراطية في الدول العربية والمسلمة قلت حدة العداء لإسرائيل‏.‏ ويقول إنه لو تم سؤال الإسرائيليين عن أي الدول أكثر اعتدلا في مواقفها نحوهم لقالوا تركيا ثم المغرب فالأردن ثم مصر وأخيرا سوريا وهو ما يعكس درجة التطور الديمقراطي من وجهة نظره لكل دولة‏(‏ بمعني آخر فإن الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع إسرائيل هو أحد معايير قياس الديمقراطية‏.)‏ وهنا أيضا يعيش شارانسكي في عالمه الخاص ويبدو أنه تناسي أن رئيس وزراء تركيا رجب أردوغان كان أول من اتهم إسرائيل بأنها تمارس‏'‏ إرهاب الدولة‏'‏ وذلك بعد قيامها باغتيال الشهيد الشيخ أحمد ياسين قائد حركة حماس‏.‏ ويبدو أيضا أن جهاز التلفزيون الخاص به كان معطلا ولم يشاهد المظاهرات الشعبية التي خرجت في المغرب قبل شهور قليلة للتعبير عن تضامنها الكامل مع الشعب الفلسطيني ورفضها لممارسات إسرائيل الوحشية بحقه‏.‏ وإذا كان من هناك من مطلب يوحد الشعوب العربية‏-‏ بغض النظر عن نمط الحكومات القائمة لديها‏-‏ فهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف‏.‏

 

وتتضح النوايا الحقيقية لكتاب شارانسكي مع بداية الفصل الرابع وعنوانه‏'‏ المهمة المستحيلة‏'‏ وهو الذي يدعو فيه صراحة إلي تدخل‏'‏ دول العالم الحر‏'‏ من أجل نشر الديمقراطية في العالم بالوسائل العسكرية إن اقتضي الأمر وباستخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية كحد أدني‏.‏ ويبدأ هذا الفصل بالقول أن‏'‏ الحرب ضد الإرهاب بشكل عام وحرب العراق علي وجه الخصوص أثارا سؤالين أساسيين‏:‏ هل يمكن للعالم الحر أن يساعد في تحول مجتمعات الخوف إلي مجتمعات حرة وإذا ذلك هو الحال فكيف‏'‏ وينتقد شارانسكي من يصفهم بالمتشككين الذين يقولون إن الديمقراطية لا يمكن فرضها من الخارج‏:'‏ فهذه الرؤية تقلل من قوة العالم الحر في المساعدة في جلب الديمقراطية إلي دول لم تعهدها من قبل‏.‏ والأسوأ هو أن الفشل في ممارسة هذه القوة يضعف هدف الدفاع عن الحرية‏.'‏ وفي هذا المجال يشيد شارانسكي بتعهد بوش بأن الحرب لن تنتهي في العراق حتي يتم إنشاء مجتمع حر هناك وأنه رغم تصاعد الهجمات علي قوات الاحتلال واصل التمسك بسياسته واعتبر هدف بناء عراق حر‏'‏ فرصة تاريخية لتغيير العالم‏.'‏ وجاء هذا الموقف في وقت تصاعدت فيه حدة نبرة منتقدي حرب العراق والمتشككين في امكانية بناء مجت

مع ديمقراطي هناك‏.‏ ويضيف أنه علي الرغم من كل المشاكل القائمة في العراق‏'‏ فإن فرص قيام ديمقراطية هناك تبقي أفضل مقارنة بسوريا والسعودية‏.'‏ وبدون أي مناسبة يعقد مقارنة مع الوضع في الصين وكوريا الشمالية ويقول إن فرص قيام ديمقراطية هناك تبقي أصعب من الدول العربية وقد تستغرق عقودا خاصة أن الخيار العسكري ثمنه مرتفع للغاية‏'‏ علي عكس ما هو عليه الحال في سوريا والمملكة السعودية‏.'‏ وبمعني آخر فإنه يحرض بشكل مباشر علي عدم التخوف من اللجوء إلي بدائل عسكرية عند التعامل مع هذه الدول العربية من أجل‏'‏ مساعدتها‏'‏ علي نشر الديمقراطية‏.‏

 

ويري شارانسكي أن التجربة السوفيتية أثبتت أنه لا يمكن للنظام القمعي أن يسيطر علي الشعب إلي الأبد خاصة مع ازدياد نسبة مزدوجي التفكير أي ممن لا ينتمون للأقلية المخلصة ويدعون فقط الولاء للنظام خشية البطش‏.‏ كما أن المجتمعات التي تحد من الحرية الفكرية تبقي غير قادرة علي منافسة المجتمعات الديمقراطية التي تسمح للأفكار الخلاقة لشعوبها بالتحاور والاختلاف‏.‏ وحتي في مجال المنافسة التكنولوجية فإن السوفيت تراجعوا بمراحل مقارنة بالغرب ولم يعد بإمكانهم الصمود‏.‏ وفي ضوء التدهور الاقتصادي الحاد الذي كان يدرك القادة السوفيت فقط أبعاده اضطروا في النهاية لطلب المعونة من الغرب وهو الأمر الذي ساهم في إحياء النظام من الداخل ومنع انهياره خاصة في ضوء سياسة الوفاق التي تبناها نيكسون وكيسنجر‏.‏ ويقول شارانسكي إن‏'‏ حقيقة أن الغرب سمح لنفسه بأن يتم خداعه بمثل هذه البساطة يظهر مدي قوة الأوهام التي كانوا يروجون لها بأن التجارة والاتصالات بين الناس من شأنها أن تؤدي إلي تغيرات إيجابية‏.'‏ وشارانسكي بذلك يوجه انتقادا مبطنا للدعاوي الأوروبية الآن بالتحاور مع أنظمة مثل إيران وكوريا الشمالية بدلا من مواجهتها أملا في أن يؤدي ذلك إلي تغيرات سلم

ية قائلا إنه في ضوء التجربة السوفيتية فإن هذه السياسة تؤدي إلي تقوية الأنظمة غير الديمقراطية وليس تغييرها‏.‏

 

وكان المخرج من هذه المعضلة وفقا لشارانسكي هي فكرة تفتقت عنها أذهان المعارضين للنظام السوفيتي السابق وتقوم علي استغلال علاقات الوفاق مع الغرب من أجل إجبار حكومتهم علي القيام بإصلاحات ديمقراطية‏'‏ وأنهم إذا أرادوا الحصول علي الفوائد التجارية والتبادل التكنولوجي والتعاون العلمي فإنهم لابد أن يبدأوا في إصلاح مجتمع الخوف الذي كان يجري حشده لخوض حرب ضد الغرب‏.'‏

 

ويعتبر شارانسكي أن اليهود السوفيت لعبوا دورا رائدا في تشجيع التحول نحو الديمقراطية في روسيا وذلك من خلال معركتهم التي خاضوها للسماح لهم بالهجرة وتجرؤهم علي تحدي السلطات في ذلك الوقت‏.‏ ويستعرض المصاعب الكثيرة التي واجهوها نحو تحقيق هذا المطلب سواء من خلال التعرض للاعتقال والمحاكمات أو فرض معوقات بيروقراطية وتكاليف مادية باهظة‏.‏ ولكن كل هذه الجهود فشلت بعد أن تحولت القضية إلي مثار لاهتمام منظمات حقوق الإنسان والأهم بعد أن تقدم عضو مجلس الشيوخ الأمريكي جاكسون بتعديله الداعي إلي ربط المساعدات الاقتصادية للاتحاد السوفيتي بفتح باب الهجرة لليهود‏.‏ ويقول شارانسكي إن القيادة السوفيتية السابقة كانت علي دراية بمدي أهمية هذا التعديل ولذلك سعت إلي محاربته منذ البداية بل واعتبرت تأييده الشخصي له من ضمن الأدلة التي قدمت في محاكمته لإدانته بتهمة الخيانة العظمي وذلك لأنه قوي من شوكة المعارضين وسمح لهم بالمرة الأولي بمواجهة النظام اعتمادا علي الدعم الخارجي‏.‏ وتشبها في الغالب بأنصار الرئيس بوش في البيت الأبيض والذين يعتبرون صحيفة النيويورك تايمز عدوهم الأول نتيجة لموقفها المعارض لحرب العراق الأخيرة فلقد ساق شارانسكي افتتاحي

ة لها نشرت منتصف عام‏1974‏ حذرت فيها من تصعيد الضغط علي الاتحاد السوفيتي وطالبت بالتمسك بسياسة الوفاق والتي ستؤدي إلي نشر الديمقراطية في مرحلة لاحقة‏.‏

 

وعلي نفس النسق جاء مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي الخامس والثلاثون الذي عقد في مدينة هلسنكي مطلع عام‏1975‏ ليمنح دفعة أخري قوية للمعارضين السوفيت من خلال ربط الغرب لمساعدته للسوفيت والاعتراف بنفوذه في أوروبا الشرقية بتحسين سجل حقوق الإنسان‏.‏ ويقول إن‏'‏ قادة الكرملين أدركوا بعد عدة سنوات فقط أن النظام قام في الواقع بتوقيع حكم إعدامه في هلسنكي‏'‏ حيث أنه‏'‏ منح المعارضين للنظام فرصة نادرة‏'‏ لمواجهة النظام والخروج بمطالبهم للعلن وذلك من خلال عقد لقاءات مع دبلوماسيين أمريكيين وأجانب وكذلك إصدار تقارير دورية عن انتهاكات حقوق الإنسان‏.‏ وشكل هؤلاء المعارضون ما أصبح يعرف بمجموعة هلسنكي والتي كانت مكونة من‏11‏ فردا في أبريل‏1976‏ وتم تشكيل مجموعات مماثلة مؤيدة لهم في عدة دول أوروبية والولايات المتحدة‏.‏

 

وكان رد فعل النظام السوفيتي السابق هو إلقاء القبض علي كل أعضاء المجموعة وتقديمهم للمحاكمة أو نفيهم‏.‏ ولكن الذي حدث بعد‏15‏ عاما من تشكيل هذه المجموعات كما يقول شارانسكي كان انهيار حائط برلين والاتحاد السوفيتي نفسه وذلك لأنه في اللحظة التي بدأ فيها النظام السوفيتي السابق السماح بحد أدني من المعارضة من أجل الحفاظ علي علاقته بالغرب انتشرت بسرعة الرغبة في التخلص من أساليبه القمعية بين بقية أبناء الشعب ممن اضطروا لالتزام الصمت لعقود طويلة‏.‏

 

أما ريجان والذي يعتبره الرئيس الحالي بوش مثله الأعلي من ناحية الإيمان بأفكار مثالية بعيدة المدي وبتقسيمه للعالم ما بين‏'‏ خير‏'‏ و‏'‏ شر‏'‏ فيكن له شارانسكي أيضا الكثير من الإعجاب ويخصه بصفحات مطولة من الإطراء‏.‏ ويقول أن ريجان لعب دورا حاسما في سقوط الاتحاد السوفيتي وذلك بإصراره علي مواصلة التنافس معه في مجال تطوير الأسلحة وذلك في إشارة إلي برنامجه المعروف بحرب النجوم والذي دعا فيه لبناء حائط صواريخ يحمي الولايات المتحدة وهو ما أنهك السوفيت اقتصاديا‏.‏ ويضيف أنه في اليوم الذي بلغ فيه السجناء أن ريجان وصف الاتحاد السوفيتي بأنه‏'‏ امبراطورية الشر‏'‏ سرت سعادة كبيرة بينهم‏'‏ بعد أن قال قائد العالم الحر الحقيقة أخيرا وهي كانت حقيقة تحترق في قلب كل منا‏.'‏

 

وبعد ثلاث سنوات من تلك الواقعة كان شارانسكي يجلس مع ريجان في البيت الأبيض عام‏1985‏ ليحدثه عن تجربته في السجون السوفيتية ويتبادل معه النكات التي يقول أنها كانت طريقة الرئيس الأمريكي السابق في التعبير عن آرائه ببساطة لم تكن تعجب دائما منتقديه‏.‏ وكان طريفا أيضا أنه عندما التقي ريجان شارانسكي نسي اسمه وخاطبه علي أساس أنه وزير الخارجية السوفيتي السابق أندريه شيفارندزه حيث أن ريجان كان قد بدأ يعاني من أعراض مرض الزهايمر‏.‏ ولكن الانجاز الذي حققه ريجان ومن قبله تعديل جاكسون و