قضايا و اراء

43247 ‏السنة 129-العدد 2005 مايو 3 ‏24 من ربيع الأول 1426 هـ الثلاثاء

 

رسـالة مهمـة علي العنـوان الغـلط‏!‏
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

 

 

 

الاشارات الغربية التي صدرت بخصوص الحوار مع الإسلاميين المعتدلين ينبغي أن تقرأ جيدا‏,‏ لأنني أزعم ان الاشارات أرسلت إلي عنوان بذاته‏,‏ لكنها استقبلت علي عنوان آخر‏.‏

‏(1)‏ أحدث تلك الاشارات صدرت عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ـ وليس مصادفة انها جاءت بعد التصريحات التي تحدثت فيها عن نفس الموضوع كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية‏,‏ وقبل هذا وذاك كانت أغلب التقارير والدراسات التي أعدتها مراكز البحوث الأمريكية في الولايات المتحدة قد تبنت ذات الدعوة ورددتها أكثر من مرة‏.‏ من ثم فالخبر صحيح لاريب‏,‏ إذ منذ طرحت واشنطن فكرة الدبلوماسية الشعبية في أعقاب أحداث‏11‏ سبتمبر‏,‏ التي قصد بها عدم الاكتفاء بالتعامل مع الحكومات والسعي للتواصل المباشر مع المجتمعات أيضا‏,‏ فإن مقترحات عدة طرحت علي الطاولة الأمريكية‏,‏ كان من بينها الحوار مع الإسلاميين المعتدلين وتشجيعهم بمختلف السبل‏.‏ وبطبيعة الحال فإن ذلك لم يكن حوارا لوجه الله‏,‏ ولكن أريد به في حقيقة الأمر إضعاف المتطرفين وحصارهم‏,‏ ومن ثم الحيلولة دون استقوائهم علي النحو الذي يمكنهم من تهديد أمن الولايات المتحدة‏.‏

لك أن تتصور مظاهر التشجيع الأمريكي لاولئك المعتدلين وهي التي تتراوح بين المساندة الأدبية والمعنوية‏,‏ وبين الدعم المادي الذي فصل فيه تقرير مؤسسة راند الشهير‏,‏ الذي نشرت تفاصيله علي نطاق واسع في العالم العربي قبل عدة أشهر‏.‏ وللتذكرة فان التقرير تحدث عن تقديم مساعدات مالية للمعتدلين‏,‏ وعن توفير منابر علنية لهم‏,‏ مع خلق أدوار نموذجية وقادة من بين رموزهم‏,‏ وتمكينهم من نشر انتاجهم إذا كان لهم في الكتابة باع‏..‏ إلخ‏.‏

هذا الحديث عن الحوار مع المعتدلين ينطلق من الرؤية الأمريكية التي تحتكر الصواب‏,‏ وتعتبر أن ثمة خطأ ما في العالم العربي والإسلامي يتعين تصحيحه‏,‏ وبالتالي فهي تقرر ابتداء أن الآخرين هم الذين عليهم أن يتغيروا‏,‏ ولا شيء يستحق التغيير في السياسة الأمريكية‏.‏

الرسالة بهذه اللغة وتلك المفردات كان لها صداها في العالم العربي‏.‏ الذي تراوح بين جهات سياسية وأمنية بدأت تتحسب لذلك التطور‏,‏ وأطراف أخري بدأت في اللمز والغمز وإلقاء الشبهات‏,‏ الأمر الذي دفع الأطراف الاسلامية المعتدلة للمسارعة إلي إعلان البراءة ورد الشبهات‏.(‏ انظر مقالة الدكتور عصام العريان أحد المتحدثين باسم جماعة الاخوان في مصر بصحيفة الحياة ـ عدد‏4/26)‏ ـ في كل ذلك فان أنظار الجميع اتجهت صوب الجماعات الاسلامية الناشطة في العالم العربي‏,‏ الملتزمة بنهج التغيير السلمي والنقابي‏,‏ وانخرطت في حدود المتاح بالعمل السياسي والنقابي‏.‏ وكانت جماعة الاخوان المسلمين في المقدمة منها‏.‏

الأصداء التي ترددت بولغ فيها كثيرا‏,‏ لسبب جوهري هو أن الرسالة التي أرسلت بخصوص الحوار والدعم وصلت إلي العنوان الغلط لأن المعتدلين الذين تلقوها في بلادنا لم يكونوا هم المعتدلين المعنيين في الخطاب الأمريكي والأوروبي ـ سأشرح لك لماذا؟

‏(2)‏ في مجتمعاتنا فإن الأغلبية تعتبر أن نبذ العنف والقبول بالتغيير السلمي للسلطة والاحتكام إلي مباديء اللعبة الديمقراطية هو معيار الاعتدال في فرز مواقف الناشطين الاسلاميين‏,‏ غير ان ذلك ليس كافيا في الخطاب الغربي‏,‏ الذي تتطلع مؤسساته إلي ماهو أبعد من ذلك‏,‏ حيث لايكفي ان تكون معتدلا علي طريقتك‏,‏ ولكن يجب ان تعتدل علي الطريقة الغربية وبمواصفاتها‏.‏

عبر عن هذه الرؤية تقرير بالغ الأهمية أعد داخل وزارة الدفاع الأمريكية‏,‏ بتكليف من نائب الوزير ومهندس غزو العراق بول وولفوويتز‏,‏ وكانت الجهة التي قامت بالمهمة هي مجلس العلوم الدفاعية الذي يعمل في صمت منذ أربعين عاما‏,‏ ويعد أحد المختبرات التي تجهز فيها الاستراتيجية الأمريكية قبل أن تدخل دائرة القرار السياسي‏.‏

كانت المناسبة أن السيد وولفوويتز اعتبر ان العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق لن تكون الأخيرة فيما يخص الحرب علي الارهاب‏,‏ ولانجاح الجهد الأمريكي في هذا الصدد‏,‏ فإنه وجد أنه من الأهمية بمكان أن تتوافر لدي وزارة الدفاع دراسة حول الجهود المطلوبة لتهيئة مسرح العمليات العسكرية‏,‏ بما يساعد علي نجاح تلك العمليات ويضمن السيطرة الأمريكية علي المسرح المذكور‏.‏

هذا الكلام قاله وولفوويتز في رسالة وجهت إلي رئاسة مجلس العلوم الدفاعية في‏2004/5/20‏ ـ وورد في نصها في موقع وزارة الدفاع الأمريكية علي الإنترنت‏,‏ وهي صريحة في تقريرها أن الهدف هو إنجاح عمليات الاجتياح الأمريكي للدول التي قد تستهدف في اطار الحملة ضد الإرهاب‏,‏ وأن تركت تلك الدول بلا ذكر‏,‏ وهو مايعني أن ما ورد في التقرير من توصيات أو مقترحات ـ بما فيها مايتصل بتشجيع الإسلام المعتدل ـ يفترض أن تصب في ذلك الاتجاه‏!‏

من الملاحظات المهمة التي سجلها التقرير صراحة أن الحرب الباردة شكلت المحور الاساسي للأمن القومي للولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن العشرين‏,‏ ولكن ذلك المحور تغير مع بداية القرن الحادي والعشرين‏,‏ حتي أصبح يتمثل في الحرب علي الارهاب‏,‏ ولئن اختلف الموضوع في الحالتين‏,‏ إلا أنه اختلف في الهدف أيضا‏.‏ ففي الحرب الباردة كان الهدف هو احتواء امبراطورية‏(‏ سوفيتية‏)‏ تشكل تهديدا للولايات المتحدة‏,‏ أما الآن فالهدف الأمريكي هو إحداث تحول في مجري الثقافة والحضارة الاسلامية‏,‏ يجعل الأخيرة تتقبل قيم المدنية الغربية الحديثة‏.‏ وتلك هي الأجندة الخفية الكامنة تحت مسمي الحرب ضد الإرهاب‏(!).‏

بعد تحديد هدف الاحتواء وإذكاء القابلية للاجتياح الأمريكي‏,‏ طرح التقرير السؤال‏:‏ مع من ينبغي أن تتعامل الولايات المتحدة لتحقيق مرادها؟

‏(3)‏ من المفيد التركيز علي الوزن الذي يحظي به الاسلاميون المعتدلون أو من يطلق عليهم الإسلاميون الجدد لان نظرتهم إلي الصحف الاسلامية خالية من العنف وتقبل التعددية‏.‏ وليس من المبالغة القول بأن الاسلاميين الجدد هم مركز الثقل في العالم الاسلامي الآن فهم يتمتعون بالوزن المطلوب لإحداث التغيير‏,‏ ومن الممكن أن يكتسبوا تأييد وتعاطف غالبية العرب ـ هذه الفقرة وردت في صلب التقرير‏.‏

من هم هؤلاء الإسلاميون الجدد‏,‏ المعول عليهم في التغيير المنشود؟ ـ بحسب التقرير ـ هم الشرائح المتقبلة لوجهة النظر الأمريكية أو التي لديها استعداد لذلك‏,‏ وقد تحددت فيما يلي‏:‏ العلمانيون المسلمون‏,‏ ورجال الاعمال والساسة والموسيقيون والفنانون والشعراء والكتاب والصحفيون والممثلون ومعجبوهم‏.‏

العلمانيون وأشباههم أو من لف لفهم هم اذن القطاع المستهدف من الحوار والاتصال‏,‏ الذي يتعين علي الادارة الأمريكية مخاطبته لتعزيز موقفه وكسبه إلي صفها‏,‏ لكسر شوكة المتطرفين والجهاديين‏,‏ وبالتالي فليس دقيقا ان الجماعات ذات المرجعية الاسلامية هي المقصودة بالرسالة‏,‏ ولكنها علي وجه الدقة المجموعات التي يدين أصحابها بالاسلام ولكنها تتعلق بالمرجعية العلمانية الغربية‏,‏ ولأن الأمر كذلك فليس من المبالغة القول بأن الجماعات الاسلامية الناشطة في بلادنا ليست الطرف المقصود بذلك الحوار‏,‏ وأنهم كانوا العنوان الغلط الذي تسلم الرسالة عن غير قصد‏.‏

لكي أكون أكثر دقة فانني افرق بين تأييد الأطراف الغربية ـ الأمريكية والأوروبية ـ لمشاركة الجماعات الاسلامية في العمل السياسي العام‏,‏ وبين دخول تلك الاطراف في حوار مع مجموعات مسلمة لاحداث تغيير ما‏,‏ في اطار ماسمي حرب الأفكار التي تخوضها الولايات المتحدة في العالم العربي والاسلامي‏,‏ ذلك ان تشجيع الدول الغربية المعنية بأمر المنطقة علي اشراك الاسلاميين في الحياة السياسية لايستدعي حوارا بالضرورة‏,‏ وقد يفهم باعتبار ان من شأنه تصريف الاحتقان السياسي وتوفير الاستقرار الداخلي الذي تعني به الولايات المتحدة وحلفاؤها لاسباب مفهومة‏,‏ تتعلق باستمرار وتأمين مصالحها‏,‏ أما الحوار الذي يستهدف الحث علي التغيير فله وجهة مغايرة‏,‏ حيث الطرف الآخر فيه هو من يسمون بالاسلاميين الجدد‏,‏ الذين يقصد بهم في حقيقة الأمر العلمانيون والمتأمركون‏,‏ وغيرهم ممن درجنا علي وصفهم بمثقفي المارينز‏!‏

هذه الفكرة ليست جديدة تماما‏,‏ فقد برزت بوضوح في تقرير مؤسسة راند الذي حصر الاعتدال الاسلامي في الدوائر العلمانية‏,‏ ولم ير امكانية لرصد الاعتدال أو تناميه خارج تلك الدوائر بحيث كلما زادت علمنة المرء وثبتت بحقه علامات الابتعاد عن جوهر التعاليم الاسلامية‏,‏ تحديدا فيما يخص عزل الدين عن حركة المجتمع‏,‏ تأكدت شواهد اعتداله وتعلقت به أكبر الآمال‏!‏

في منظورهم ـ يقول التقريران بوضوح ـ فأنت كلما تغربت اعتدلت‏,‏ وكلما تراجعت تقدمت‏,‏ وكلما انحنيت ارتقيت‏!‏

‏(4)‏ ثمة ملاحظات أخري مهمة أوردها تقرير مجلس العلوم الدفاعية منها مثلا إشارته إلي أن السياسة الأمريكية في الحرب علي الارهاب أدت إلي تصاعد الكراهية ضد الولايات المتحدة في العالم الإسلامي‏,‏ منها ايضا اقراره بأن المسلمين لايكرهون حريتنا‏,‏ ولكن يكرهون سياستنا المتمثلة في الدعم المطلق لاسرائيل في مواجهة الحقوق الفلسطينية‏,‏ ودعم الانظمة الديكتاتورية في العالم الاسلامي‏.‏

‏(‏هذا الرأي يتناقض مع الخطاب الرسمي الأمريكي الذي أعلن أكثر من مرة علي لسان الرئيس بوش‏),‏ منها كذلك اعترافه بأن‏:‏ تصرفات الولايات المتحدة أكسبت الراديكاليين شرعية بوصفهم المدافعين عن كرامة الأمة الاسلامية‏,‏ وأن أزمة الولايات المتحدة مع العالم الاسلامي هي أزمة جوهرية تتعلق بصدقية الدعاوي الأمريكية‏.‏

مايعنينا من تلك الملاحظات شيء آخر يتصل بالسياق الذي نحن بصدده‏,‏ ويتمثل في اشارة التقرير إلي ان الحرب الراهنة ليست مواجهة بين الاسلام والغرب‏,‏ ولكنها حرب أفكار داخل الاسلام ذاته بين الراديكاليين والمعتدلين‏,‏ وحين يتحري المرء في ثنايا التقرير المقصود بالراديكاليين والمعتدلين يكتشف أن المراد بذلك هو الاشتباك بين الاسلاميين والعلمانيين‏,‏ باعتبار ان حسم تلك الحرب هو الذي سيحدد مستقبل دول العالم الاسلامي‏.‏

أثار انتباهي في هذا الصدد أن الفكرة ذتها رددها فرانسيس فوكوياما‏,‏ عالم الاجتماع الأمريكي صاحب كتاب نهاية التاريخ في محاضرة ألقاها بالرباط في شهر ابريل الماضي‏,‏ ونفي فيها مقولة الحرب بين الغرب والاسلام‏,‏ مقررا ان المعركة داخل الاسلام حول طرق تفسير التعاليم الدينية وتحديثها‏.‏

‏(5)‏ قرأت أن مراكز الدراسات الأمريكية أعدت بعد أحداث‏11‏ سبتمبر أكثر من‏15‏ تقريرا مفصلا حول كيفية التعامل مع العالم الاسلامي واحتوائه أو تطويعه‏,‏ وبطبيعة الحال فان تلك الدراسات لا تترجم كلها إلي قرارات سياسية‏,‏ ولكن المؤكد أنها تشكل خلفية لما يتخذ من قرارات‏,‏ فيما يخص ذلك العالم‏,‏ ورغم أهمية تلك الدراسات والجهد الكبير الذي يبذل فيها‏,‏ إلا أنها ستظل قاصرة عن ترميم العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي‏,‏ طالما ظل صاحب القرار الأمريكي مصرا علي أن العرب والمسلمين هم الذين يتعين عليهم أن يتغيروا ولاشيء يستحق التغيير في السياسة الأمريكية ذاتها‏,‏ الأمر الذي يورط الولايات المتحدة في مزيد من التخبط ويوقع سياستها في مزيد من التردي‏,‏ وكان من نتيجة ذلك مثلا انه بينما تستمر الادارة الامريكية في إشهار حربها علي الارهاب‏,‏ فإن تقرير الاحصاء الأمريكي الذي صدر في الاسبوع الماضي فاجأ الجميع بأن عدد العمليات الارهابية تضاعف ثلاث مرات في عام‏2004‏ مقارنة بما كان عليه الحال في عام‏2003.‏

لايسرنا ذلك بطبيعة الحال‏,‏ وفي الوقت ذاته فليس لدي أسي علي الفشل الذي تمني به السياسة الأمريكية‏,‏ لكن المشكلة أن ذلك الفشل ينالنا منه نصيب‏,‏ وماتجليات العنف التي ظهرت في أقطار عربية عدة لم تعرفه قبلا إلا بعض منه‏,‏ أما المحزن حقا فهو أنهم يتحسسون السبل ويطرقون كل باب جهارا نهارا للنفاذ إلي قلب مجتمعاتنا واختراقها تحت مظلة حوار يراد به الاسهام في تهيئة مسرح العمليات لاحتمالات الاجتياح وسط الهيمنة‏,‏ وحين يصرحون بذلك علنا فتلك مصيبة لاريب‏,‏ أما حين نسمع الكلام ونسكت عنه فتلك لعمري هي المصيبة الأعظم‏!‏