13 مارس 2005

 

في ذكرى 8 مارس

هل كرم الإسلام المرأة؟

د. اقبال الغربي

 

ابرز ت مجمل التقارير الدولية الهنات العديدة الموجودة في العالم الإسلامي في مجال المساواة بين الجنسين.

 

بل وارجع تقرير التنمية الإنسانية لعام 2003 الصادر عن الأمم المتحدة التعثر في مسيرة التقدم في مناطقنا إلى ثلاثة نواقص رئيسية وهي نقص إنتاج المعرفة، نقص الحريات، ونقص المساواة بين الجنسين.

 

وقد ارتكزت هذه التقاريرعلى العديد من المؤشرات ذات الدلالة نذكر منها على سبيل المثال نسب الأمية التي تتجاوز% 60 لدى المرأة ونسب حضورها في مواقع صنع القرار حيث لا تتجاوز نسبة البرلمانيات العربيات %6.

 

وتأخذ هذه الوضعية المزرية للمرأة المسلمة أبعادا هاﺫية عندما نسمع عن جرائم شرف تقع لا في المناطق البدوية فحسب بل تعبر القارات والمحيطات و تطارد نساء الجاليات الإسلامية التي تعيش في بريطانيا واسكندينافيا، أو عندما نقرا تقرير "اليونيسيف" الذي يلفت النظر إلى كارثة ديمغرافية في الهند حيث تخلصت العائلات الراغبة في إنجاب ﺫكور من 40 مليون جنين أنثى عبر الإجهاض الإرادي.

 

كما تؤكد الحياة المُعاشة في العالم الإسلامي بدائية العلاقات الاجتماعية بين الرجل و المرأة. فهي علاقات يتحدد دور المرأة فيها في تقديم التنازلات اليومية وفي استرضاء الرجل بكل الوسائل وﺫلك خشية الطلاق في ظل مجتمعات لم تستطع إلى يومنا ھﺫا أن تمنح المرأة حق الحياة منفردة دون زواج أي مستقلة عن حماية السلطة الأبوية.

 

فقد أبرزت الدراسات الميدانية مثلا أن المرأة العازبة والأم العازبة يفرض عليهما المجتمع العيش في الخفاء والإقامة الجبرية في العواصم والمدن الكبرى فقط. والسبب هو أن هذه التجارب الخاصة تحيلنا على مجالات المغايرة والاختلاف والفر دانية وهي مجالات لا تُرضي السلطة التقليدية الحريصة على التماثل وعلى وحدة الفكر والسلوك والمصير. هذه السلطة التي تعرف المرأة لا بإسمها بل باسم أبيها أو زوجها والتي تمنح الذكر، سواءً كان طفلا أو رجلا، حق ولاية المرأة غير المتزوجة. ويجسد عجز مجتمعاتنا المسلمة عن استيعاب المرأة ككائن راشد متاهات وتعثرات الحداثة عندنا. لأن الحداثة تعني بامتياز حق الفرد رجلا أو امرأة في أن يكون مالكا لجسده ولعقله.

 

ولعلّ من الطبيعي أن نتساءل عن الدور الذي يلعبه الإسلام في تحديد شرط المرأة. ولا شك أن العودة النقدية إلى أصول موقفنا ونظرتنا للمرأة تسمح بتأسيس وعي ديني تجديدي حداثي وتحرري. وتمثل هذه العودة النقدية ضرورةً معرفية اليوم لكي نتمكن من الارتقاء من موقف تمجيد الذات إلى نقدها، من موقع المسلمات اليقينية إلى موقع التجربة التاريخية، من مستوى المطلق إلى مستوى النسبي.

 

فهل يكفي اليوم أن نعدد المكاسب والحقوق الاستثنائية التي حُظِيَت بها المرأة في الإسلام وأن نردد شعارات عامة وفضفاضة مثل "الإسلام كَرَّمَ المرأة" و"الإسلام ساوى بين الرجال والنساء"؟

 

هل تُرضي هذه النظرة التمجيدية المؤمثلة والمعقمة للإسلام النشءَ والأجيال الصاعدة؟

 

أم أن علينا أن نحترم الفكر النقدي لأولادنا وأن نقر أن الخطاب الديني قائم اليوم على مفارقة أساسية. فهو يدعو إلى المساواة بين الرجل و المرأة من جهة ويكرس التمييز ضدها من جهة أخرى.

 

فالمحلل للخطاب الديني يلاحظ وجود خطابين متعارضين ومتداخلين في نفس الوقت. فالخطاب الأول والنظري يؤكد على قيم المساواة ويؤكد أن الإسلام جاء ليذكر الإنسانية بأنها من نفس واحدة لا أفضلية ذاتية للناس بعضهم على بعض. فالبشر، نساءا ورجالا كأسنان المشط، لا مراتبية لأحد على احد إلا بالتقوى.

 

أما الخطاب الثاني فيستند إلى إيديولوجيا فارقية تنتج وتعيد إنتاج الحيز ضد المرأة. بل وقد انخرطت هذه الايدولوجيا الفارقية  في الثقافة الأبوية السائدة وأصبحت مهمتها  تبرير النظام التمييزي القائم وإقرار الفروق وتسويغها بدعوي تحقيق التكامل الاجتماعي. وفي آخر المطاف تحولت إلى أداة تمييز وإقصاء، مُجَسِّدةً بدالك ما يسميه بيير بورديو "العنف الرمزي".

 

و يتجسد هدا الخطاب التمييزي في مستويات ثلاثة:

 * في مستوى المؤسسة الدينية.

 * في مستوى التصورات الدينية.

 * في مستوى التبريرات الدينية.

 

على المستوى المؤسساتي يبدو واضحا للعيان أن الممارسة الدينية الرسمية تجعل من الرجل وسيطا بين السماء والأرض وتعطيه مهمة إدارة المقدس. فالإسلام يعتبر الإمامة والولاية والتزكية مهام مقدسة يشترط فيها الفقهاء القدامى الذكورة المتحققة. فحسب الفقه خص الله عز وجل الرجل بالنبوة والرسالة والخلافة والجهاد واﻟﺁﺫان والخطبة، وطبعا من البدع أن تشاركه المرأة هده الأدوار المقدسة.  ولا ريب أن هذه الممارسات الاقصائية هي وجه من وجوه المفارقة الرئيسية بين المقاصد التي احتواها القرآن الكريم وبين الواقع التاريخي الذي تسوده أعراف وعادات وتقاليد ﺫكورية. ونتيجة لإقصاء المرأة من المؤسسة الرسمية التجأت المرأة عبر التاريخ إلى نحت مكانة لها وتملّك مساحة خاصة بها في مجالات  مهمشة مثل الإسلام الشعبي والتصوف و الشعوذة و السحر.

و طبعا كانت لهذه الصورة للرجل كمدير ومتحكم في المقدس تبعات عديدة على مستوى التمثلات الجماعية. وهو ما يحيلنا إلى المسالة الثانية أي مسالة التصورات الدينية. وفي ھﺫا المجال  نجد تناقضا صارخا بين الخطاب التأسيسي التجديدي وبين ثقل الموروث الثقافي الذي تسرب إلي ھﺫا الخطاب واﻟﺫي أدى إلى المزيد من تحقير المرأة في المخيال الشعبي.

 

فالإسلام مَثَّلَ قطيعة مع السائد والمألوف والعلاقة الجديدة مع الله ثَوّرَت العلاقات القديمة السائدة بين الحاكم والمحكوم، بين الحر والعبد،  بين الراشد والطفل،  وزعزعت المراتبية المتجذّرة في تلك الحقبة التاريخية.

 

والسنّة النبوية شاهدة على شفافية اللحظة التأسيسية الأولى. بيد أن الخطاب الديني يحمل في طياته تصورات مزدوجة فهو يراوح بين تقديس المرأة وإعلائها من جهة، وتكريس دونيتها من جهة أخرى.

 

وتتجلّى هده الإزدواجية في آليتي التسامي والوصم اللتين تمثلان وجهان لعملة واحدة.

وفي ھﺫا الصدد ﺫكر أن آلية التسامي معروفة في علم النفس. فهي ليست سوى حيلة لاشعورية نستعملها لكي نتجنب تحمل أعباء الأزمات وحل التناقضات. فالتسامي يُوظَّف عادة في استبدال ميل أو رغبة أو رد فعل عدواني بموقف منطقي وسلوك عقلاني معاكس. فالحيل الدفاعية تسعى إلى تحيق مكافآت بديلة غير متكيفة مع الرغبات الأصلية ولكنها تحل محل مكافآت ممنوعة وغير مقبولة اجتماعيا في شكل أعراض عُصابية.  فعندما يقول الماوردي "المرأة ريحانة و ليست قهرمانة" أو عندما يكتب رشيد رضا كتابا بعنوان "نداء إلى الجنس اللطيف" نستنتج من بين السطور رغبة في تغييب وتهميش حقوقها السياسية والاجتماعية والجنسية ومحاولة لحجب معاداتها والحقد عليها.

 

فنحن نلاحظ انه قلما توجد كتابة أدبية أو فنية أو عمل فني أو ملحمي إلا واحتلت المرأة مكانا مهما فيه. بل أن من رجال الدين المتعصبين من يكتب غزلا رائعا عن المرأة. فالكل يتغنى بالمرأة ويكرم فها وفاءها وأمومتها وإخلاصها.

 

بيد أن هده الصورة المثالية والمجردة للمرأة تتعارض مع واقعها وتسعى في الحقيقة إلى إلغاء البشري والتاريخي فيها.

 

ونتيجة لهده الآلية، وبصفة جدلية، وجدت تصورات استهجانية مضادة للمرأة، واختلِقَت أحاديث ضدها تجعل منها المسئولة عن كل متاعب الأمة ومصائبها. فهي حواء التي خلقت من اجل آدم لتؤنسه في وحدته الفردوسية فأبى عليها طبعها الشرير إلا أن تغرر به وتتسبب في طرده من الجنة التي كان خالدا فيها.

 

وهي زليخة زوجة العزيز التي تمثل الغريزة الجنسية المطلقة والتي أرادت إغواء النبي يوسف. ومن تبعات هده القصة في اللاوعي الجمعي أن الكيد والخيانة أصبحا صفات ملازمة للمرأة من حيث هي أنثى: "إن كيدهن عظيم".                                                                                                     .

و في ھﺫا المستوى، سرعان ما تغيب المعاني الروحية الثاوية في النص التأسيسي كالعدل والمساواة، وجل القيم الثورية التي جاء بها الإسلام، لحساب الموروث العتيق. فكل من يعادي المرأة يجد في القراءة المتجزئة لتعاليم الإسلام ضالته. فالرجال قوّامون على النساء وللزوج حق هجر زوجته و تأديبها بالضرب وشرعية اغتصابها جنسيا. وللذكر مثل حق الأنثيين وشهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد.

 

ويستند ھﺫا الإسلام المعادي للمرأة على إيديولوجيا فارقية تلح على الفوارق الطبيعية بين الجنسين وتجتهد في البحث عن المعطيات الطبيعية الجديدة التي تميز الرجال عن النساء لتبرير خطابها التمييزي. وتستند هده التبريرات على نظريات وثنائيات نجدها في الفكر الإغريقي القديم.

 

فالمرأة تمثل الطبيعة والرجل يمثل الثقافة.

الرجل يتميز بالحيوية و الحرارة والمرأة من سماتها البرودة و السلبية.

الرجل عقلاني والمرأة عاطفية.

الرجل قوي و المرأة رقيقة وضعيفة الخ...

و تؤدي حجة الطبيعة وظيفة أساسية لتبرير الخطاب الديني حيث أنها تقدم على أنها من المسلمات التي لا تحتاج إلى برهان ولا تخضع لجدل أو نقاش.

 

بيد أن عكاز الطبيعة الذي يستند عليه المتطرّفون لا يصمد اليوم أمام مجلوبات البيولوجيا الحديثة وعلم التاريخ والانثروبولوجيا.

 فالبيولوجيا تؤكد اليوم أن الكائن البشري أنثى وذكر في نفس الوقت، وأن الفرق هو فرق في الدرجة لا في النوع أي فرق في نسب الهرمونات و تفاعلها لا غير.

 ويعلمنا التاريخ أن نساءً مثل كلييوبترا والملكة فيكتوريا والإمبراطورة كاترين الأولى وانديرا غاندي وغولدا مايير لم يكن اقل فلاحا أو فشلا من الرجال في الحكم.

 

أما الانثروبولوجيا فقد بينت مند أبحاث المدرسة الثقافوية أن الأشكال التي تظهرالفوارق الجنسية من خلالها تتحدد بالثقافة. وهو ما جعلها تجزم أن التنشئة الاجتماعية هي التي تصنع الأنوثة والفحولة جاعلة من الجسد مجالا لإعادة إنتاج الثقافة السائدة. فقد أبرزت "مرغريت ميد" بعد  دراساتها لقبائل جزر الساموا أن الجنسي مقولة اجتماعية  أكثر منها بيولوجية.  كما بين "اورتيق" في كتابه "الاوديب الإفريقي" نسبية الهيكلة العائلية الأبوية وتاريخيتها.

 

وفي نفس الإطار حلل عالم الاتنولوجيا "كاين هوا" في كتابه "مجتمع بدون أزواج ولا آباء"، المنشور في باريس سنة، 1997 مجتمع النا الصيني الذي يقصي الرجل من السلالة ولا يمنحه أية سلطة مادية كانت أو رمزية. كما بيّن الكاتب أن غياب السلطة اﻟﺫكورية في مجتمع النا لم يمنعه من نسج تصورات ثقافية راقية ومن إرساء ضوابط ومعالم هاذية.    

 

أما بالنسبة لتعلة تفوق الرجل على المرأة جسديا التي يستعملها بعض رجال الدين فلم تعد لها أية أهمية في عصر المكننة والالكترونيات الدقيقة والذكية الذي لم يعد يحتاج إلى القوة العضلية.

 

للتعليق على هذا الموضوع

1