http://www.elaph.com/ElaphWriter/2005/2/38872.htm

 

هل هناك مشكلة قبطية؟

    عادل جندي

 

2005 الأحد 6 فبراير

 

من ناحية يشكو الأقباط، في تصاعد متزايد الوتيرة، أوضاعَ التفرقة والتمييز والتهميش والاستبعاد المنظم التي يتعرضون لها. ومن ناحية أخرى تقول الدولة في مصر على لسان مسئوليها وأجهزتها من القمة إلى القاع أنه لا توجد هناك مشكلة، بل أن كل شيء طبيعي وتمام التمام.

 

من نصدق؟

يبدو أن هذا يتوقف على تحديد وتعريف مصطلح "المشكلة"!

عندما يشكو الأقباط، فإنهم يقارنون أوضاعهم "بما يجب أن تكون عليه" طبقا لما يرون أنه قواعد ومنطق العدالة والمساواة والمواطنة ومواثيق حقوق الإنسان العالمية ونص المادتين 40 و46 من الدستور المصري (حول المساواة وحرية العقيدة). لكن عندما تقول الدولة أنه لا توجد مشكلة، فذلك ببساطة لأن الأقباط يعاملون طبقا لنص وروح النظام الدستوري المصري!

 

ليس هناك تناقض هنا، فالحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن مصر تعتبر الدولة متعددة الأديان الوحيدة في العالم التي ينص دستورها ليس فقط على أن "دين الدولة" هو ديانة طائفة من طوائف الشعب، بل أيضا على أن تكون "أيديولوجية سياسيفقهية" مستندة إلى ديانة نفس الطائفة هي "المصدر الرئيسي للتشريع" في الدولة، وتخضع لها تفسيرات وحدود تطبيقات باقي مواد الدستور. ولا يهم هنا أن تكون "الطائفة" المذكورة تمثل أغلبية عددية (كبيرة) أم لا. كما أننا لا نحاول هنا التعرض لماهية "الأيديولوجية السياسيفقهية" المذكورة في حد ذاتها، وتقرير ما إذا كانت تتماشى أو تتعارض مع المعايير والمرجعيات الإنسانية المعاصرة. فمن حيث المبدأ، مجرد أن تفرض طائفة ما أيديولوجيتها على جميع الفئات المكونة للشعب هو أمر شاذ ومعيب يتناقض مع أبسط مباديء الدولة الحديثة وبديهيات روح العدالة. [راجع، بالمقارنة، حالة دولة المغرب حيث نسبة السكان المسلمين تبلغ 99% ويحمل ملكُها لقب "أمير المؤمنين"، ومع ذلك لا ينص دستورها على "الشريعة الإسلامية" كمصدر للتشريع، ويقود ملكُها الشاب ثورةً تشريعية بدأت بتقنين المساواة التامة بين المرأة والرجل].

 

المشكلة إذن ليست (فقط) "قبطية"، بل "مصرية"؛ تتعلق "بطغيان" إحدى فئات الشعب المصري ـ أو بمعنى أدق من يتحدثون باسمها ـ وإصرار هؤلاء على فرض رؤيتهم وإرادتهم حول شكل الدولة وأسلوب تسييرها على باقي مكونات الشعب. وبالطبع فإن النظم التي تتسيد فيها طائفة عرقية أو مذهبية أو قبلية الخ، هي أكثر من الهم على القلب في العالم العربي، إلا أن  مصر هي الدولة الوحيدة التي قننت "الطغيان الطائفي" دستوريا بدون أن يؤاخذها أحد أو أن تشعر بأدنى حرج. وبهذا الأسلوب "نجحت" في ترسيخ واحد من أسوأ أشكال النظم الطائفية في العالم، وإن كان الجميع لا يملون، من باب التمويه، إطلاق تعبيرات عكسية عليه مثل "الوحدة الوطنية" و "وحدة النسيج" لا تعني في الواقع أكثر من كون المواطنة الكاملة تبقى حكرا لفئة دون غيرها. وبينما يسخر الكثيرون من النظام الطائفي اللبناني، إلا أنهم يتناسون، عن عمد، أنه برغم كل عيوبه يحقق توازن مشاركة ومصالح مكونات الشعب اللبناني.

 

وإن كان الرئيس مبارك قد أصاب، في حكمته، كبد الحقيقة عندما طالب (قبيل الانتخابات العراقية) بضرورة قيام نظام تُمَثل فيه طوائف الشعب العراقي بصورة عادلة، فالسؤال البديهي هو لماذا إذن لا يرى سيادته ذات الضرورة في داخل مصر حيث يُستَبعد الأقباط بصورة كاملة، بالرغم من كل المزاعم بعكس ذلك؟

 

[ملحوظة: لا يُعتد هنا بوجود موظف أو اثنين بدرجة "وزير" في الحكومات المصرية ؛ فقد كان من المتبع دائما منذ الغزو العربي الاستعانة بتقنوقراط القبط لتسيير دفة العمل الإداري في الدولة. بل إن الجد الخامس لوزير المالية الحالي، كان القائم على الخراج أيام محمد علي؛ وكان قبلها يقوم بنفس الدور لحساب أحد أمراء المماليك في الصعيد].

 

 

 

الإجابة البديهية على ذلك السؤال البديهي هي أنه عندما تتعامل الدولة في مصر مع فئة من الشعب باعتبار أبناءها مواطنين من الدرجة الثانية (أي "أهل ذمة" طبقا لتعريف تلك الأيديولوجية السياسيفقهية) فإنها لا تفعل أكثر من احترام النظام الدستوري نصا وروحا!

إذن قبل أن نتحدث عن أوتوقراطية الحكام فلابد من أن نعالج مشكلة الدستور الذي يقنن "الطغيان الطائفي للأغلبية الدينية".

وتحسبا من أن يقفز أحد مماليك الإعلام المصري أو فقهاء الإرهاب الذين يعششون فيه صارخا "وا إسلاماه!" أو  "وا ديموقراطيتاه!" معترضا على سعي "الأقلية" إلى وضع العقدة في المنشار وفرض ديكتاتوريتها على الأغلبية؛  نُطمئن الجميع إلى أننا نرى ديكتاتورية الأقلية أمرا لا يقل سوءا عن دكتاتورية الأغلبية.

 فالحل الحضاري الوحيد هو أن يقبل الجميع بمبدأ المساواة والحقوق والحريات المتكافئة، حيث الحرية لا تحدها إلا  حرية الآخر. أي أن يكون "المجال الحيوي للحرية" دائرة من بين دوائر متماثلة الحجم تتلامس عند نقاط على محيطها؛ مقارنة بالوضع الحالي حيث تستحوذ فئةٌ على دائرة منتفخة الأوداج تبتلع المجال المتاح، بينما ينحسر المجال الحيوي "للآخر" في ركن ضئيل، داخل المساحة المحصورة بين تلك الدائرة و "مربع" الوطن الذي يحتويها.

بمعنى آخر، وأكثر وضوحا، فالحل هو استبدال الدولة الطائفية بنظام علماني يتساوى فيه المواطنون فعلا، مساواة تامة وكاملة وغير منقوصة.

***

لماذا يتحاشى الجميع الكلام عن المادة الثانية من الدستور المصري؟

ـ النظام الحاكم هو، بالطبع، آخر من يسعى للتغيير؛ فلا شيء يضيره في بقاء الحال على ماهو. بل إنه لا يتورع عن منافسة الظلاميين في تنفيذ أجندتهم طالما رسخ له هذا قواعد الحكم الذي أصبح شبه ثيوقراطي منذ التعديل الدستوري الذي استحدثه السادات في 1980 ( ونص على اعتبار الشريعة الإسلامية "المصدر الرئيسي للتشريع"). والأمر سواء من حيث النتيجة إذا كان السادات قد فعل هذا عن عمد، كإبن بار للتيار الأصولي (كما يقال) ناضل طول عمره لأجله؛ أو لمجرد كونه انتهازيا ركب الموجة وقام، في نفس الوقت، بتمرير تغيير آخر يجعل رئاسة الجمهورية قابلة للتجديد إلى ماشاء الله. (ومن سخريات القدر أنه قد اكتوى بنار من أيدوه في التغيير الأول حول الشريعة، تاركا لمن بعده الاستفادة من التغيير الآخر...).

ـ معظم أبناء فئة "الأغلبية الدينية" من الشعب، وهم في الأصل معتدلون مزاجا وتدينا وتراثا، صاروا رهائن لأقلية ظلامية ماضوية ناشطة في عنفها وعنيفة في نشاطها، تحاول بلا هوادة (وبمساندة أجهزة الدولة، كالإعلام الرسمي) إقناع الجميع أن أيديويوجية سياسيفقهية معينة هي "من صميم الدين"، وأن فرضها على الجميع هو من صحيح الدين، بل من واجبه. وإذا تجرأ أحد على المجادلة أو العصيان، فسيف التكفير جاهزٌ ومسلول.

ـ المفكرون والمثقفون والسياسيون الذين يعرفون ويصرحون في قعداتهم الخاصة بضرورة العلمانية كأمر حيوي لتأسيس دولة حديثة في مصر، لا يجرؤ معظمهم على الكلام علنا. ويصل الحد إلى أن الأحزاب الموجودة على الساحة، من اليسار الاشتراكي إلى اليمين "الليبرالي" (!) مرورا بأحزاب "قومية" وأخرى تتحدث عن الغد وبعد الغد والمستقبل، والتي تطالب بكل شيء وأي شيء؛ لا تحاول مجرد ذكر مبدأ علمانية الدولة في برامجها. وإذا كانت السياسة هي فن الحصول على الممكن، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالمباديء الأساسية فمن الشائن التهرب من مواجهة الاختيارات بشجاعة ووضوح.

ـ "فئة الأقباط" تشعر ببعض الحرج من طرح الموضوع بوضوح قاطع، وترى أنه قد يؤدي لخسارة بعض من يمكن أن يكونوا سندا لهم في مطالبهم بحقوق المواطنة. بمعنى آخر هو أسلوب التمسك بالإيجابي (حتى لو كان قليلا) وتجاهل السلبي. وهذا أسلوب حصيف، لكنه يصطدم في الواقع بانعدام أي إرادة سياسية عامة لتغيير الأوضاع، برغم استمرار الشكوى ووضوح القضية (من وجهة نظر الأقلية!).

 

***