المشكلة في الاسلام أم في المسلمين

مولاي محمد اسماعيلي
ismeed@maktoob.com
الحوار المتمدن - العدد: 1193 - 2005 / 5 / 10

كثيرا ما نسمع في منابرنا وصحفنا وقنواتنا العربية والإسلامية عن خطاب يتكرر مئات المرات إن لم نقل الآف المرات في اليوم، خطاب مفاده أن الدين الإسلامي هو دين المحبة والسلام والحوار والتسامح! وقد زاد من وثيرة ترديد هذا الخطاب التطورات الجديدة التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن بالولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر 2001.

حدث كان النقطة التي أفاضت الكأس وفتحت مستقبل العالم على جميع الإحتمالات التي تبدوا في مجملها قاتمة ولا توحي بخير. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا هذا الخطاب في هذا الوقت بالذات؟ هل لأن المسلمين لم يعَرّفوا دينهم للعالم حتى وقع ما وقع وجندوا كل طاقاتهم لإيصال الرسالة السمحة لهذا الدين لمن لا يعرفونها؟ أم أن في الأمر براءة من تيار متطرف يؤمن بالعنف ويتخذه وسيلة لفرض أفكاره؟ وغالبا ما يكون الجواب الثاني هو السائد، فما تلبث أن تسمع أحد كبار شيوخ "الإعتدال" يتحدث أن تلك الطائفة ضالة وليست على حق فيما تفعله وأن الإسلام دين الكلمة الحرة والحوار البناء مع قبول جميع الأطراف كائنا من كانت مستدلا على ذلك بما وقع في الزمن الأول للإسلام. والشيء المهم الذي نريد أن نؤكد عليه هو فعلا إن الإسلام دين تسامح وقبول للآخر ويتجلى ذلك في عدد ليس بالقليل من الآيات القرآنية التي تؤكد ذلك مثل قوله جل شأنه في سورة سبأ {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} فهذا الخطاب يعترف أولا و قبل كل شيء بوجود الآخر، وثانيا يعطيه كل الحرية في إبداء رأيه وثالثا يعترف بأن الصواب موجود لدى أحد الطرفين، وليس هو المحتكر للحقيقة المطلقة فهذه ضمانات تجعل الآخر يحس براحة وهو يقدم على الحوار ومداولة الآراء المختلفة.
وقد دلت الشواهد التاريخية أيضا على تعامل حسن مع الأسرى واحتراز كبير في الحرب وعدم استهداف للأشجار والشيوخ والنساء والأطفال، والشواهد في هذا التدليل على سماحة الإسلام وسعة صدره كثيرة وتفوق العد، ولكن رغم كل هذا يبقى السؤال مطروحا: هل الإسلام دين سلام حقا؟

الجواب الثاني لهذا السؤال يبدأ هذه المرة من المرور عبر لحظات تاريخية حساسة جدا في التاريخ الإسلامي كان العامل الأساس فيها الإنسان المسلم وليس ما تنطق به النصوص المسطورة في الكتاب المكنون.فمباشرة بعد وفاة الرسول الأمين محمد عليه الصلاة والسلام، بدأت المشاكل تظهر وخاصة بين الأنصار والمهاجرين في حادثة سقيفة بني ساعدة. والتي تركت في النفوس أثرها.وصولا إلى الحروب المشهورة كصفين والجمل والإغتيالات الشهيرة، كإغتيال عمر وعثمان وعلي، وصولا إلى الجرائم التي كان الأمويون يرتكبونها بدعوى قضاء الله وقدره، وانتهاءا بالدماء الغزيرة التي سالت فيما يسمى بـ"الفتوحات الإسلامية" والتي كان ضحاياها يقدرون بمئات الآلاف من القسطنطينية شرقا إلى الأندلس غربا، ناهيك عما لم يتمكن المؤرخون من تدوينه من الأحداث التي تقع في الخيام التي تنصب في الأرض "المفتوحة" من قبل قادة جيوشه "الفتح" من انتهاك للأعراض بدعوى "ملك اليمين" ونهب للثروات بدعوى "الغنائم". هذه الأحداث وغيرها كثير إذا ربطناها بالسؤال الذي طرحناه آنفا، فالجواب سيكون طبعا نافيا لوجود أي سلم أو حوار أو تسامح في الإسلام، وإذا لم نربط هذا بذاك فما الحيلة والفاعل في هذه الأحداث كلها هم المسلمون الذين يسيرون حسب زعمهم بقلوب مؤمنة نحو فتح الأرض أمام هذا العالم الضال، لكي يشمل نور الرسالة المهداة رحمة للعالمين!!

مفارقة عجيبة لن نفهمها إلا إذا حاولنا إعادة صياغة السؤال للمرة الثالثة صياغة جديدة هي: هل جسد المسلمون حقا عبر تاريخهم سماحة وسلام ورحابة دينهم الحنيف على مضمار الواقع، أم أنهم قرأوا النصوص وبقيت الأفعال على حالها؟.

المعادلة تقترب من الحل إذن!!!.الموجود في ثنايا النصوص شيء: والكائن على أرض الواقع شيء آخر، فأين الخلل إذن؟

في البدايات الأولى للرسالة الخاتمة كانت الأمور متناسقة إلى أبعد الحدود، فالمجتمع المحمدي يمشي وفق ما هو مسطر في القرآن ووفق ما علمه الرسول الكريم لأصحابه، وفي هذا الوقت بالذات كانت أجمل و أنقى فترة شهدها التاريخ الإنساني، لماذا؟ لأن محمد عليه السلام استطاع أن يجمع بين التنظير والتطبيق في صور رائعة كان الإسلام فيها حقا دين السلام والمحبة والأخوة والحوار، لكن هذه الحالة لم تدم سوى 23 سنة، بعدها دقت نواقيس الحنين إلى الماضي بكل أشكاله القبلية والعصبية وبدأت في الأفق سحب سوداء، أمطرت على المسلمين تخلفا مازالوا يتخبطون فيه إلى اليوم. ومع جلوس يزيد بن معاوية على الكرسي، هذا الأخير الذي أبدع في أساليب قتل الصحابة واستحلال المدينة ثلاثة أيام، وقتل شامل لذرية النبي وقصف سياسي كانت ضحيته بيت الله الحرام الكعبة التي قصفت بالمنجنيق.

تراجع إذن عن مكسب جعل الإسلام السمح حقيقة تشاهد على أرض الواقع، وتم وأدها بشكل نهائي مع ظهور مجموعة من الناس نصبوا أنفسهم المتحدثين باسم رب العالمين في هذه الأرض.والذين يقولون بأنه لا حق لأحد في هذا الوجود أن يقول أن الأرض كروية الشكل وأنها تدور حول الشمس، من تجرأ يفقد حياته ويحكم عليه بحد الحرابة بنص القرآن، وإذا كانت عاقبته بخير فإنه يعيش محروما من خدمات أحد أطراف جسده.

أناس احتكروا الفهم للنصوص وتسمعهم يقولون بان قصد الله تعلى في الآية الفلانية هو كذا وكذا، كأنهم يتلقون هواتف من السماء خاصة بهم تفهمهم القصد دون غيرهم من البشر. بل الأخطر من ذلك عندما تسمع أحدهم يجهد نفسه في تبرير كل ما وقع في التاريخ الإسلامي من قتل وتنكيل، محذرا من أن العالم الإسلامي مستهدف من قبل قوى خارجية تريد النيل منه، فتمت مستشرقون وعلمانيون وما إلى ذلك من "الغولات" التي يرسمها ويصف خطرها القادم نحو الإسلام.

يبدوا أنني أصنف ضمن المتحاملين عن الإسلام، ولكنني أعتقد أنني من أشد المدافعين عنه. فأتمنى إن كان كل ما قلته خاطئا أن أجد إيجابات وافية لأسئلة العالقة: هل شريعة الإسلام السمحة هي التي صنعت لنا أناسا ينتحرون من أجل ما يسمونه جهادا، فيقتلون أناسا لا ذنب لهم من المسلمين وغير المسلمين؟ لماذا نصف هؤلاء بأنهم لم يفهموا الإسلام حقيقة؟ وهل المشكلة في فهمهم أم في النصوص المؤطرة لهم؟ المفارقة تبقى معلقة ولكم أن تجيبوا.

مولاي محمد اسماعيلي : مساهمات  و مقالات اخرى