http://rosaonline.net/alphadb/article.asp?view=1175

03/11/2005

العشر المباركية قراءة فى الوصايا

 

 

فى خطوة تاريخية قرر الرئيس حسنى مبارك أن يختار موقعا خالدا فى تاريخ هذا الوطن ومستقبله، ليجلس فيه إلى جوار الملك مينا موحد القطرين، وبانى أول دولة مؤسسات فى تاريخ الإنسانية، وإلى جوار محمد على بانى دولة مصر الحديثة. قلت هذا من قبل فى أكثر من منتدى وصالون فكرى فى نبوءة علمية ومدروسة بقراءة لمصالح الوطن المفترضة وقرارات الرئيس فى المواقف الحرجة، كان آخرها بحضور الأستاذ محمد عبدالمنعم رئيس تحرير هذه المجلة الرائعة، بحسبانه السيناريو الوحيد الممكن للتغيير المرتقب، ورغم كل المناقشات المعارضة والمشككة، فقد تمسكت بهذا السيناريو، لأنه الوحيد أيضا الذى يضمن سلامة الوطن إبان مرحلة التغيير الانتقالية بسلامة ودون حدوث أى ردات فعل قد تؤخر أو تعوق أو ربما تدمر. كنت واثقا أن الرئيس فى النهاية لن يختار إلا الطريق الذى يضمن سلامة هذا الوطن والحفاظ على تماسكه، لأنه قد سجل خلال فترة حكمه قاعدة لم يحد عنها يوما، وهى سلامة الوطن وسلامة المواطنين، فقاد السفينة عبر مرحلة مأزومة فى تاريخ مصر والمنطقة والعالم، دون أن يترك للأحداث أو للعشوائية أو لطموحات الزعامة أن تجرنا إلى حروب تأكل الحرث والنسل، فكانت رأس الحكمة عنده مخافة أن يصاب ولد من أولاده المصريين فى معارك لا ناقة لنا فيها ولا جمل، أو يضار الوطن أو أمنه القومى لأى سبب كان، ويكفينى كمواطن حكمة التوازنات التى أتقنها الرئيس حرصا علينا وعلى وطننا من الانزلاق إلى شعارات وعنتريات سبق أن دفعنا فيها من دم أبنائنا ومن كرامتنا ومن معاشنا، والتى لم تزل نتائجها مستمرة وقائمة حتى اليوم. أقول هذا مكررا الرفض لكل المشككين والمزايدين على هذه الخطوة فى تاريخنا المعاصر عبر صحف تبحث عن بطولة سبق أن مرغتها عنترياتهم فى وحل التاريخ، مطالبا كل الفرقاء للجلوس على مائدة بحث متأن وعلمى وصارم، وأيضا هادئ لطرح كل المشكلات وكل الحلول الممكنة والمتاحة أولا للانتقال من هذا المربع إلى المربع التالى، بتؤدة وحذر، بتطوير لا تثوير، ليتم الانتقال الهادئ عبر سلسلة من الخطوات، لأن مصرنا الغالية لن تحتمل هزات عنيفة أثناء هذه المرحلة الانتقالية، وهى عادة ما تكون المراحل التى تكون فيها النكسات هى الاحتمالات الأولى قبل النجاحات. لذلك يطرح صاحب هذا القلم قراءته لأسس الإصلاح العشرة التى طرحها الرئيس، حتى لا يخطف الوطن منا ناهب أو أفاق أو شيخ منسر تاريخى، لأنهم لن يتنازلوا عما كسبوه على حساب الوطن وأهله بسهولة، بل المتوقع أن يقودوا أكبر معركة دفاع عن وجودهم بأقصى ما عندهم من شراسة، بل إن بعضهم كما نعلم لا مانع لديه عند الضرورة أن يقوم بدور شمشون ليهدم المعبد على رأسه ورأس الجميع معه. وعندما أطرح هنا هذه القراءة أتحدث فقط فيما أعلم وما أجيد فى ضوء اهتمامى بالمأثور الإسلامى وعلاقته بالأحداث الجارية ومستقبلنا الآتى، وليس أبعد من هذا، تاركا للسياسيين المحترفين ما يقدمون ويفيدون به نتعلم منهم ونعلم. لقد بدأت مبادرة الرئيس التاريخية بالبند الأساسى الذى يفرش الأرضية للبناء على أعمدة سليمة وآمنة وقوية، وهى أن المواطنة هى أساس المساواة فى الحقوق والواجبات بين جميع المصريين، وهو الأمر الذى يلغى كل اللافتات الطائفية والعنصرية أو يجب أن يلغيها ويمحوها محوا، وهو ما يجرنا جرا إلى المادة الثانية بالدستور التى تقول أن دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، والتى تتناقض تناقضا صارخا مع مبدأ المواطنة أول أسس الإصلاح وأساسها. وهو الأمر الذى يحتاج إلى قراءة مستفيضة سبق لى أن طرحتها على دفعات خلال السنوات السالفة ونشرتها فى كتابين: شكراً بن لادن وأهل الدين والديمقراطية، وتحتاج هنا إلى إضافات جديدة تماما فى ضوء هذه المستجدات. إن المطالبة بإعادة النظر فى الدستور برمته ضرورة ملحة ومطروحة على البحث والنقد من مختلف التيارات، ولم يحرص أحد على إبقاء الدستور على ما هو عليه من خارج الحكومة سوى جماعة الإخوان، تشبثا بالمادة الثانية بالدستور، والتى تعطيهم بحسبانهم وكلاء رب الإسلام فى الأرض مشروعية الوجود والفعل أيضا. لا أطالب هنا بالعجلة قدر ما أطرح رأيا قابلا للخطأ كما هو قابل للصواب، كما هو قابل للجدل والمناقشة، وربما غاية ما أطمح إليه الآن هو تحييد وتسكين هذه المادة، مع إعلاء المبدأ الأول فى الوصايا العشر المباركية، مبدأ المواطنة إلى أن يحين وقت كتابة دستور مصر، الحلم الآتى الذى بدأ مخاضه الآن. وفى مفاصل التاريخ ومع المنحنيات والمنعطفات الكبرى يكثر الرمامون وشذاذ الآفاق والمتكسبون ولو على حساب الوطن كله، وهو ما أجادته فرق معلومة لدينا نعرفها جميعا ونعلم تاريخهم، ونعرف أين يكمنون وكيف ينتهزون النهز. ولهذا يجب أن نسحب بساط القداسة من تحت هؤلاء حتى إذا شاركوا يشاركون بمنطق مدنى من أجل مجتمع مدنى، كأى مواطن آخر، وفى هذه الحال سيقبلهم مجتمعهم ويرحب بهم. وبساط القداسة هذا يستمدونه دوما من المادة الثانية بالدستور، وإذا كانت هذه المادة باقية مؤقتا إلى حين تغيير مأمول، فلنقم من الآن بتحييدها وتسكينها، وإذا كان رب العزة قد نسخ آيات قرآنية بآيات جديدة وبقى لفظ الآيات القديمة دون أن يكون معمولا بحدودها، فبقيت الآيات كعلامة تاريخية لأحداث جرت فى الزمن النبوى، فإن الدستور ليس أقدس من القرآن خاصة بحاله الراهن الذى جمع زمنين نسخ أحدهما الآخر بالكلية. وعليه، فإن المطلوب الآن لتفعيل الوصية الأولى بأسس الإصلاح هو رفع القدسية عن كل مدعى القداسة لأية جماعة كانت ومن أية طائفة كانت لمنع توظيف الدين لمكاسب دنيوية خصما من حساب بقية المواطنين فى الوطن. والإسلام - حسبما يزعم المتأسلمون - هو برنامج سياسى اقتصادى ثقافى علمى، ولأنه لو كان كذلك حقا، فقد كان ذلك البرنامج موافقا لزمنه وبيئته، لكن طرحه اليوم بذات المعانى لاستدعاء برنامجه من الجزيرة منذ 1425 سنة، لفرض هذا البرنامج على المؤمنين، فإن معنى ذلك هو فرض الحماية على الإسلام ووضعه تحت وصاية الدولة لتدعمه. وهو أيضا ما يستتبع الفهم الذى يرفضه المسلمون، وهو أن الإسلام دين فرض وإكراه وسيف، وأن استمرار تفعيل المادة الثانية إنما يعنى استمرار هذه الوصمة التى لحقت بالإسلام أى فرضه بالإكراه قانونا ودستورا لحمايته وضمانا لاستمراره. وحتى يتم تجاوز هذا الحرج الغريب، علينا أن نتذكر أن الإسلام هو فى حماية المؤمنين به فى مصر أو فى الصين. والإنسان خلال محطات التاريخ عرف الأديان قبل ظهور الدساتير، ولم تحم الدساتير الدين بقدر ما حماه أهله وأصحابه، فالسيف الدستورى لن يخلق مؤمنين بقدر ما يخلق منافقين وهم أشر الناس طراً. وعليه، فإن المادة الثانية بالدستور تعكس الوضع الطبيعى إلى وضع يثير المشاكل بتتابع تسلسلى، الوضع الطبيعى أن يكون الإسلام هو من يحمى وليس العكس، ولذلك فإن المادة المذكورة تعلن للدنيا ضعف الإسلام الذى دفع أهله لتوفير حماية دستورية له، مقارنا بكل أديان الدنيا التى لم يحتج واحد منها إلى مثل هذه الحماية الرسمية. إن احترام الإسلام يكون بجعله درع الحرية وحامى المسلمين، وليس بوضعه فى هذا الشكل شديد الضعف إلى حد عدم قدرته على حماية نفسه بما يستلزم حمايته دستوريا، وكأننا لن نكون مسلمين إذا لم نلزم بالإسلام دستوريا. وعندما أطلب هنا تحييد هذه المادة وإيقاف العمل بحكمها لتفعيل وصية المواطنة التى تعنى أن كل أبناء الوطن على مختلف مللهم ونحلهم لهم ذات الحقوق فى وطنهم على التساوى المطلق الفردى، فإننى أرفع التناقض الدستورى الحاد الذى ينشأ عن هذا التجاوز حتى يتكفل سير العملية الديمقراطية بصياغة دستور جديد للوطن، كما أرفع عن كل دعاة الأسلمة قداستهم الوهمية ليخوضوا العمل السياسى كأى مواطن آخر مجردا إلا عن عمله وما سيقدمه لوطنه بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دينه. ثم أرفع الدعم الدستورى العجيب للإسلام والمتأسلمين حرصا على الإسلام نفسه واحتراما له وتطويرا له. وأوضح المقصود بأن زج الإسلام فى الساحة الحزبية حيث المنافسة على الأفضلية والتميز بقوانين الأرض لا بقوانين السماء، يعنى اتخاذه كما يقولون برنامجا للإصلاح كما فى مبادرة الإخوان مثلا، ويعنى أيضا أن على الإسلام أن يخضع للبحث مع غيره من برامج، كما يخضع للنقد مثل غيره من برامج للاختيار والاختبار والمفاضلة بينه وبين البرامج الأخرى، وهو ما يفتح الباب أيضا لفتن نحن فى غنى عنها فى مرحلتنا الآنية. حتى يكون الوصول إلى السلطة بأفضل البرامج الحزبية وأكثرها فائدة دنيوية ومصلحة للناس وللوطن، أما الإسلام نفسه عندما يجد نفسه بغير حماية دستورية كبقية الأديان، فإنه سينشط ويتجدد وينشط رجاله وأهله ليواكبوا به الزمن. إن الدين لا يسقط إلا عندما يسقط من القلوب، وقد عاشت اليهودية ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة تقريبا حتى اليوم، ولم تتعرض ديانة ولا شعب لما تعرضت له اليهودية واليهود كدين مطارد منبوذ منذ هدم الهيكل وشتات اليهود، ثم مطاردتها فى جزيرة العرب حتى لا يجتمع بها دينان وشتات آخر، ثم طاردتها المسيحية منذ ظهورها حتى الزمن النازى، ولم تستمر أبدا كدولة يهودية قائمة، بل تعرضت هذه الدولة للنكسات وللتدمير وللتشتيت عدة مرات، لكنها استمرت عندما اعتمدت على وجودها فى قلوب المؤمنين بها، حتى اجتمعت لهم دولة علمانية قوية بما يفوق ممكناتها الجغرافية والبشرية. ولأن الصراحة راحة، دعونا نعترف أن كل صاحب دين فى بلادنا يرفض الدين الآخر، وأن كل مذهب فى بلادنا ينفى المذهب الآخر ويخرجه من الملة، وهذا أمر لا علاج له، لا بالحوار ولا بالسيف الذى انقضى زمنه، وقد مر على هذه المنطقة من العالم زمن طويل كان الحل هو سيادة دين على بقية الأديان، وسيادة مذهب على بقية المذاهب، وسيادة طائفة على بقية الطوائف، وسيادة عنصر على بقية العناصر لأنها لم تجد سبيلا للتعايش سوى بوجود السيد كامل السيادة، والأتباع، وهو ما كان يستتبع القمع المستمر والهزات الاجتماعية المتوالية، لأن إعطاء طائفة أو مذهب كامل الحرية دون بقية أطياف المجتمع هو أسوأ أنواع الديكتاتورية. وإن رفضنا أديان ومذاهب بعضنا يعنى رفض كل منا لقيام دولة ذات مذهب واحد يسود الآخرين، أو دين واحد نيابة عن الكل، وهو ما يعنى أن كلا منا يرفض صبغ الدولة بدين غيره، لكنه من باب الاستعلاء والسيطرة وتصور وهم القدسية الخاصة يريد كل فريق لدينه السيادة على الآخر، إن هذا التناقض غير المحترم مع الرفض المتبادل يعنى أنه لا يوجد دين يسع جميع البشر، رغم إيمانهم جميعا بذات الإله، لكن توجد دولة مدنية تسع الجميع من كل الملل والنحل والأعراق، دولة لا تعرف صفة دينية بعينها من أديان مواطنيها. إن النموذج التاريخى للدولة ذات الصبغة الدينية فى منطقتنا هى العربية السعودية، وقد قبلت العربية السعودية الإصلاح، فإذا كان النموذج الإسلامى هو المطبق هناك بتمامه فماذا لديها لتصلحه؟! إن هذا القبول هو اعتراف بقصور النظام الإسلامى فى الحكم. إننى أرى أن الوصية الأولى الخاصة بالمواطنة تنسخ العمل بالمادة الثانية بالدستور، وتوقف العمل بها وبأحكامها وبما يترتب عليها على مستوى القانون والحقوق والواجبات لأفراد المجتمع، وهو ما يعنى توقف الدولة عن تولى دين بعينه بالدعم والحراسة، كما يعنى أيضا إيقاف العمل بقوانين جنائية تعاقب على الأفعال المخالفة للدين، وتعنى أيضا إيقاف جميع أشكال الدعاية الرسمية الإعلامية للإسلام، وهذا الذى أقول هنا ينبنى على الإسلام ذاته، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - والسلف الصالح عاشوا عصر رعاية وحضانة ربانية، جندت لها كل الملائكة لخدمة الدين الجديد، وبانتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى انتهت هذه الحضانة السماوية وأقفلت السماء أبواب معلوماتها وختم الأنبياء بالنبى الخاتم، ليبدأ عصر الإنسان بعقله وفعله ومصالحه على الأرض حتى يستحق فيها الخلافة، وكف الملائكة عن الحضور، ولم يبق للمسلمين سوى إنسانيتهم وبشريتهم وعقولهم للخروج من قاع الأمم، وهاهى ذى البشائر بالأمل تتجدد بعد مرحلة انتقالية صعبة عاشتها مصر لتبدأ طور الخروج من الشرنقة نحو فجر جديد أساسه الأول المواطنة التى تعنى المساواة التامة بين الأفراد، فلا يكون هناك فضل لمصرى على مصرى لا بالتقوى ولا بالعرق ولا بالجنس ولا بلون الجلد ولا بفكر: سماويا كان أم أرضيا. لنخرج من زمان الصحوة الإسلامية المتراكبة مع الرذيلة والفساد المنتشر، إلى زمن يخشى فيه المجتمع فعل الرذيلة أكثر مما يخشى الفضيحة. حتى لا يظل المواطن طلقة رصاص لم تختر هدفها، بل شريكا فى قيادة سفينة الوطن، ولاتزال للحوار مع الوصايا العشر المباركية..

 

سيد القمنى