شدّي حيلك يا بلد

 نبيل شـرف الدين

 

كأني صوت النديم في ليلك

بيصحي ناسك يشدوا حيلك

كأني طوبة من بيت في حارة

كأني دمعة في عيون السهارى

كأني نجمة فوق الفنارة .. تهدي الحيارى .. والبدر غايب

بعد سلسلة المظاهرات والمصادمات التي شهدتها مصر مؤخراً على خلفية تزامن عدة وقائع مؤسفة، كانت أبرزها حكاية ارتداد زوجة أحد القساوسة عن دينها، وإشهار إسلامها في سياق مسرحي سخيف، فضلاً عما نسب لأمين الحزب الحاكم في أسيوط من تورطه في ممارسات طائفية مستغلاً صفته الحزبية ونفوذه الأسطوري، ناهيك عن قصص أخرى متفرقة هنا وهناك، وبعد صمت يشبه الموت التزمت به الصحف ووسائل الإعلام المصرية في الأيام الأولى استخفافاً أو تواطؤاً، خرج علينا "ميكانيكية الصحافة" ـ مع كامل احترامي للميكانيكية وللصحافيين ـ بمبررات سخيفة، ومقالات هي شهادة الزور بعينها .

وفي البداية دعونا مما يكتبه "بارونات الصحافة" في مصر، ممن "خلعوا برقع الحياء"، ومضوا يسيرون في مناكبها بينما عوراتهم القبيحة ظاهرة للعيان، وتعالوا لنرى ما نشرته صحيفة محترمة مثل (الشرق الأوسط) التي تصدر بالعربية في لندن في مقال رأي لأحد كتابها نشر يوم السبت 11 ديسمبر 2004 في سياق تعرضه لما حدث، ورد به كلام يستحق وقفة صارمة، وقد اخترت هذه الصحيفة تحديداً لما اشتهرت به من انتهاجها خطاً ليبرالياً علقنا عليه آمالاً عريضة، ولأنها تصدت لمنظومة الهوس والتحريض بهدوء وإصرار يستحق الإشادة على مدى السنوات الماضية، فضلاً عن كونها غير محسوبة على جوقة "المنظومة" الإعلامية المصرية المثيرة للقرف والغثيان، وربما الشفقة أيضاً في بعض مشاهدها .

وبعد مقدمة طويلة مملة ـ ربما كانت أطول من المقال ذاته ـ تزاحمت فيها أرتال مما يصنف تحت بند "المعلوم من الأمر بالضرورة"، وبعد أن يساوي المقال بين دماء القاتل والقتيل، ويهيل التراب في وجوه الجميع، مستخدماً نظرية "العبوا مع بعض"، اختتم المقال بعبارة "شعاراتية" من الطراز الذي باتت تلوكه مؤخراً ألسنة الساسة المتورطين في الفساد والفشل، وكهنتهم من "ميكانيكية الصحافة"، دعاة "الفكر الجديد" الذي تبشر به "أمانة السياسات" بالحزب الحاكم إلى الأبد في مصر، وقد ورد فيها : "استوقفني وأغضبني، وأظن انه يغضب كل حريص على وطنه وناسه بأطيافهم وأديانهم، هي تلك الهتافات والكتابات التي تستدعي الخارج للتدخل لرفع المظالم المزعومة أو الحقيقية الواقعة على الأقباط، هذا الاستقواء بالخارج لتحقيق مكاسب في الداخل هو آفة بدأت تستشري في مجتمعاتنا، هذا الاستقواء إن أتى بنتيجة فلن يستثني من دفع ثمنها أيّاً من أبناء الوطن كلهم" .

وشأن كل مقولات "الحق الذي يراد به باطل"، منذ يوم الجمل حتى يومنا هذا، ينكر المقال على المكتوي بالنيران أن يصرخ، مستعيناً بالخارج أو الداخل أو حتى "الجن الأزرق"، لأن ذلك بحسب المقال سوف يأتي بنتيجة لن يستثنى من دفع ثمنها أي من أبناء الوطن كلهم، وهنا يحق لنا أن نتساءل : ولماذا ينبغي على طائفة بعينها أن تدفع الثمن وحدها، ولماذا لا يتصور أن أي مظلوم منتهك الكرامة يصبح من حقه أن يهدم المعبد على رؤوس الجميع، أم أنه لا يرى بأساً في أن تضحي الأقلية في سبيل الأغلبية، خلافاً لما يحدث في العالم كله، حيث "تتدلل" الأقليات، وهذا الأمر بالمناسبة سلوك متعارف عليه وشائع في الاجتماع السياسي، ويعرف باسم "تدليل الأقليات"، لسبب بسيط أن الأقليات دائماً حساسة، ومتوجسة، ولديها مبررات كافية للخوف على مستقبلها، خاصة في ظل تفشي "الهوس الديني"، وارتفاع النبرة الطائفية على نحو لا تعيره الدولة ـ التي يتبنى المقال رؤيتها وإن كان ذلك بلغة مراوغة ـ أدنى اهتمام جاد، مكتفية بسيناريو "الشيخ والقس" السخيف، الذي صار يستدعي السخرية، لأن تبادل القبلات أمام الكاميرات ليست حلاً، لاسيما وأن الدولة عاودت هذه الأيام استغلال "التأسلم" لتمرير أجندة استبداد يعرف مقاصدها القاصي والداني، هاجسها الأول هو الرعب مما قد تحمله رياح التغيير التي هبت بالفعل من الغرب، بينما المقال يلوم الكنيسة والإعلام ويكتفي بالمرور العابر على السبب الحقيقي، وهو ممارسات السلطة التي تسمح لكبار المحرضين باعتلاء منابرها كما يحدث عشرات الأسماء في الصحف الحكومية والتلفزيون الحكومي، حيث تفرد الصفحات، وتخصص ساعات طويلة من البث لمحمد عمارة وزغلول النجار وغيرهما، بينما لا تتسع الصدور إلا لطائفة "نصارى الحكومة"، ممن لا يعنيهم أمر الأقباط بقدر ما تعنيهم صلاتهم ومصالحهم مع السلطة المستبدة الفاسدة .

 

..........

وبعيداً عن الدخول في وقائع تلك الأزمة أو ما سبقها من أزمات، تعالوا نتخيل هذا المشهد الافتراضي، لنرى كيف تشفى وباء الكيل بمكيالين في المجتمع المصري وربما كافة مجتمعات التي تسود فيها الثقافة العربية، لدرجة بات يتبناها البسطاء قبل النخب، ولهذا الأمر بالطبع أسبابه المتعددة والمتشعبة التي قد تخرج بنا عن الموضوع، لكن دعونا هنا نحاول رسم سيناريو ترتد فيه زوجة شيخ ـ ولو من الدرجة الثالثة ـ عن الإسلام وتعلن اعتناقها للمسيحية، فكيف كانت ستتصرف السلطة حينذاك ؟، وكيف كان العوام والنخب ومعهم "ميكانيكية الصحافة" سيعالجون الأمر ؟ .

ببساطة كانت ستقوم القيامة في مصر، إذ أن السلطة كانت ستبادر إلى إلقاء القبض على الزوجة، ومحاكمتها بتهمة "الردة"، ولا مانع من توجيه تهم أخرى من نوع "الإساءة إلى نسيج الوحدة الوطنية، وتشويه سمعة مصر، ولا مانع من تهمة ازدراء الأديان أيضاً"، أما "ميكانيكية الصحافة"، فكانوا سيحرثون الأرض وما عليها من زرع وضرع، وكانت الصحف القومية والجهوية والملوخية كلها ستفزع للتصدي لما سيطلقون عليه حينئذ "مخطط لتنصير مصر"، وسيخرج علينا أراذل القوم بحكايات وروايات سخيفة عن مؤامرات مزعومة تحيكها جمهوريات ميكرونيزيا وبنين والرأس الأخضر بالتعاون مع "الطابور الخامس من متطرفي أقباط المهجر"، الذين هم بالطبع عملاء وخونة وليسو مصريين، لكنهم سيطمئنون الشعب "المؤمن الصابر" بأن هؤلاء "قلة قليلة حاقدة"، وهكذا ننحي القصة الحقيقية جانباً، لتبدأ لعبة القعقعات اللفظية، وترديد المحفوظات المدرسية عن "الوحدة الوطنية"، و"النسيج المصري الواحد"، ولا مانع من حسم الأمر على طريقة السادات "رئيس مسلم لدولة مسلمة" .

وما زلنا مع ذلك السيناريو الافتراضي المرعب، وما كان سيدور في الأوساط الشعبية من حكايات وقصص واحتقانات حال حدوثه، ويعلم الله وحده إلى أي نتيجة يمكن أن تصل، فقد تفشت على نحو مريع ذائقة التطرف وتبني أفكار تنظيم "الجهاد" الإرهابي في أوساط البسطاء، لأسباب أبرزها ما يقاسونه من مظالم، وما يواجهونه من أزمات، وما يتعايشون معه من مآس تصل إلى حد السخرية وانكسار القلب، وبالتالي لم يجد هؤلاء ملاذا مما هم فيه إلا إلى السماء، بعد أن خسروا كل معاركهم في الحياة، وتبددت كافة أحلامهم على الأرض، هذا ناهيك عن "حبوب البث التحريضي" اليومية التي يجبر المواطن المسكين الجاهل على تعاطيها، في إعلام ينتمي إلى زمن النازية والفاشية، يتسابق فيه "ميكانيكية الصحافة" على تقديم خدماتهم المهنية والترفيهية أيضاً، لدرجة صارت معها الأجهزة تعاني من طوابير المتقدمين للقيام بدور "العرّاب" تارة، ودور "القوّاد" تارات، فضلاً عن أدور المبرراتي والطبال والزمار والحاوي و"بتاع التلات ورقات" .

سيقول البعض إن مسألة اعتناق زوجة القس للإسلام، هو شأن شخصي لها، تم بمحض إرادتها، ومن جانبي فأنا من أشّد مؤيدي حرية الإنسان في اختيار ما يشاء من الأديان والمعتقدات، بل وحتى الكفر إذا رأى ذلك، فكل ألزمناه طائره في عنقه، لكن ماذا لو كانت هذه السيدة زوجة للشيخ فلان أو علاّن كما يفترض السيناريو الذي سقناه ؟، والجواب كما أسلفنا سيصب في اتجاه مغاير تماماً، فالقوانين المصرية تؤثم الردة عن الإسلام، والشارع الآن في حالته الراهنة متشنج حيال كل أمر له صلة بالدين من قريب أو من بعيد، وكل يوم يتعاظم دور مؤسسات القداسة في الشارع، ولدى صانع القرار، وهو بالطبع لم يهبط من المريخ، بل هو ابن هذا الشارع، ناهيك عن هذا الموقف (المايع) للدولة في مسألة تحول جماعة إرهابية مثل "الإخوان المسلمين" إلى جماعة ضغط تكاد تكون الأقوى من نوعها في البلاد، بينما هي محظورة لكن هناك مقر علني لها، وقادتها يصولون ويجولون في كل حدب وصب متسلحين بألقابهم ووضعهم التنظيمي .

وهنا لا ينبغي أن تراودنا أية أوهام، فنتصور أن يتصاعد تطرف الذهنية الإسلاموية، ويمضي النظام الشائخ الستاليني في غيه إلى ما هو أبعد من ذلك، من دون أن يتسبب ذلك في تحريض كل قرون الحساسية لدى شركائنا في الوطن من الأقباط، فمن المعروف والثابت أن التطرف يحرض التطرف المقابل، ولم تأت هذه الإدارة اليمينية الأميركية مسلحة بأغلبية في الكونغرس، لولا أن الأخ ابن لادن وصحبه الميامين كانوا قد ملؤوا الكون دماء وصخباً، واختطفوا أمة كاملة تربو على مليار من البشر، وقفوا جميعاً "يشجعون اللعبة الحلوة"، ولا يخفون شماتتهم في ما حدث يوم الحادي عشر من أيلول الأسود في الولايات المتحدة، ومن هنا قاد اليمين الدفة في كل مكان، في الولايات المتحدة وإسرائيل والهند وحتى في بوركينا فاسو، وتحول المسلمون بفضل الشيخ ابن لادن ـ كما يحلو لميكانيكية الصحافة أن يطلقوا عليه ـ إلى "أشرار العالم"، وصار الإسلام تهمة يحملها كل محمد، وكل محمود، وكل عبد الرحمن وعبد الودود على رأسه ويمضي .

المثير للضحك ـ وللفزع أيضاً ـ أن هناك مسؤولين رسميين في أكثر من عاصمة عربية الآن صارت تصريحاتهم وأدبياتهم وحتى مفرداتهم أحياناً، متماهية مع ما يطرحه الأخ أيمن الظواهري، فلا يكف الرسميون العرب من الحديث عن مؤامرة تستهدف "ديننا وشخصيتنا وخصوصيتنا حماها الله"، وأن الشعوب التي يمتطونها وينهبون خيراتها لصالح الأصدقاء والصديقات، لن تقبل أبداً بهذا "الغزو الحضاري"، وكأنه كتب علينا القمع والفساد والاستبداد والمتاجرة بالأديان والأوطان، باعتبارها "خصوصيتنا"، وهو نفس المعنى الذي يطرحه منظرو الإرهاب المتأسلم حين يفتون بأن "الديموقراطية كفر بواح"، لأنها تعني حكم الشعب للشعب، وهذا يصطدم مع آية صريحة "إن الحكم إلا لله"، وانظر عزيزي القارئ هذا الخلط الخبيث للأوراق، والتلاعب بالألفاظ لا لشئ إلا لإبقاء الحال على ما هي عليه، فلم يقل لنا الله في أي كتاب سماوي إنه سينزل من عليائه ليحكم بين المتخاصمين والمتقاضين، بل من يفعل ذلك هم الناس، وتحديداً الحكام، ومن هنا فإن "الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، و"الناس على دين ملوكهم"، لكن هذا الطروحات يجري التعتيم عليها، وتجاهلها عمداً، بينما تروج آلات الإعلام الحكومية للقراءة الظاهرية للنص، والاستخدام الماكر والانتقائي للدين .

...........

ولأن السادة "ميكانيكية الصحافة" كدأبهم دوماً يقفزون على أبسط الحقائق ببهلوانية، فإننا لم نقرأ لأي منهم نقداً ولا حتى إشارة إلى التعتيم على الوجود القبطي المسيحي في مصر "المحروسة"، فلعلني لا أذيع سراً حين أؤكد أنه حتى الآن ليست هناك إحصاءات رسمية دقيقة ومتداولة علناً توضح بالأرقام التركيب الاجتماعي والاقتصادي والوظيفي للأقباط المسيحيين، لكن المراقب المتأمل لبنية المجتمع المصري لا يستطيع أن يحدد خواصاً بعينها يختلف فيها المسيحي المصري عن المسلم المصري، فكل منهما يحمل نفس الشكل والمظهر والعادات واللغة والتكوين النفسي، ويحمل الأقباط كجزء أصيل من التركيب الوطني، كل الخصائص والسمات الحضارية للشعب المصري عموماً، فهم يتسمون بالطيبة، والتعايش في سلام، كما لم يثبت بحق قبطي واحد تورطه في حمل السلاح، فضلاً عن تحمل المظالم بصبر أسطوري، ولعل هذه القسوة مع النفس اكتسبها الأقباط من تقاليد الرهبنة والزهد، ثم من الصيام الطويل المضني الذي يتجاوز مائتين يوم في العام، وتقاليد الأسرة المترابطة، كل ذلك أكسبهم هذه الطاقة الخرافية على التحمل وضبط النفس والصبر بروح راضية متفائلة، والتي نعتقد أنها أصبحت "صفات ذات طابع قومي" إذ انتشرت بين أبناء مصر مسلميها ومسيحييها

وينبئنا التاريخ بأنه في كل مرة كان يترافق فيها تصاعد المد الإسلامي وتنامي الحركات الأصولية، مع ظهور توجه على الصعيدين الرسمي والشعبي يناوئ الوجود القبطي في بعض المجالات إلى نتائج أخطرها اختلال التوازن وتزايد حدة الاحتقان، ومن ثم تبدأ منظومة من السياسات لترسيخ عزلة الأقباط المسيحيين داخل المجتمع الذي تعيش فيه وتشاركه همومه وآماله وتطلعاته، وهنا نتساءل: هل سيكون من مصلحة المجتمع ـ أي مجتمع ـ أن تدفع طائفة أصيلة منه إلى الانزواء في (جيتو) ديني واجتماعي وسياسي، وتلقى داخل "زنزانة انفرادية" بعيداً عن الحركة الديناميكية للمجتمع برمته ؟ .

الإجابة عن هذا السؤال وغيره تتطلب ضميراً يقظاً، أكثر مما تتطلب أدلة على انسحاب الأقباط من المشهد على نحو ينذر بالخطر، وفرار معظم الكفاءات القبطية إلى المهاجر المختلفة، لكن لا بأس ببعض الإحالات على التاريخ القريب، وتحديداً حين ظهرت جماعة "الإخوان المسلمين" ونتيجة لتغلغلها في كل أنحاء البلاد كان من الطبيعي أن تظهر على الفور في الاتجاه الآخر جماعة "الأمة" القبطية، التي بدا واضحاً وقت الإعلان عن تأسيسها عام 1951 أنها ظهرت بمنطق رد الفعل، ونتيجة انتشار الفكر الممعن في أصوليته وسلفيته على يد "صقور الإخوان"، ومن هنا كانت أبرز دعوات "جماعة الأمة" هي الدعوة إلى بلورة الهوية القبطية (أي المصرية)، وإحياء اللغة القبطية، والتاريخ القبطي المغيب عمداً ـ حتى اليوم ـ عن كتب التاريخ المدرسية، والسعي إلى إصدار الصحف والحصول على تصاريح لبث محطة إذاعية قبطية، على غرار مثيلتها الإسلامية القرآن الكريم)، وغيرها من المطالب التي لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال الآن، ونتجاهل تصاعدها مجدداً بين الشباب القبطي، فالصمت ودفن الرؤوس في الرمال خوفاً من مواجهة الحقيقة سياسة ثبت فشلها مراراً، ولم نحصد منها سوى النكبات والنكسات، فضلاً عن إطلاق الشائعات من عقالها، وخلق مناخ احتقان بين المسلمين والمسيحيين، لا يلبث أن يتحول إلى فتنة وربما أسوأ .

ثمة أمر آخر لا يقل أهمية عن حقيقة أن التطرف يحرض على التطرف، وهي مسألة حجم الوجود القبطي في مفاصل الدولة المصرية، وهنا نستعين بدراسة الدكتورة سميرة بحر عن (الأقباط في الحياة السياسية المصرية)، والتي رصدت فيها عشرات الحقائق الموثقة، فمثلاً في وزارة الخارجية لاحظت الباحثة أنه منذ قيام حركة الضباط عام 1952 لم يعين سفير قبطي واحد، بينما كان هناك عدد كبير منهم قبل ذلك، فضلاً عمن تولى منهم وزارة الخارجية مثل واصف بطرس غالي وصليب سامي، وفقط حدث في 12 يوليو 1973 أن جاءت أول حركة دبلوماسية بسفيرين قبطيين في حركة تشمل 50 سفيراً، وفي أبريل 1973 ظهرت حركة دبلوماسية مكونة من 186 دبلوماسياً، منهم 14 اسماً مسيحياً أي بنسبة 3%  فقط، ومع ذلك اعتبر الأمر إيجابياً .

أما في وزارة التعليم فلم يعين رئيس أو وكيل جامعة من الأقباط في الجامعات ولا يسمح بطبيعة الحال للأقباط بدخول الكليات غير الدينية التابعة لجامعة الأزهر وهي الكليات التي يتزايد عددها بدرجة سريعة وكبيرة في الآونة الأخيرة، ومن ناحية أخرى رفضت الجمهوريات المتعاقبة السماح للأقباط بإنشاء جامعة أو كليات ومعاهد عليا على غرار كليات جامعة الأزهر .

وما رصدته الدكتورة بحر بالطبع لا يمكن وصمه بالنعرة الطائفية ولا الخطاب المتشنج، بقدر ما ينبغي التعاطي معه بجدية، وبحثه بموضوعية لا تشوبها الأحكام الأيديولوجية المسبقة، للوقوف على أسباب هذا الخلل الواضح، ولا مفر من الشفافية والمكاشفة إلى أبعد حد ممكن، ليس تحسباً لموقف دولي لم يعد يتسامح مع اضطهاد الأقليات أو التمييز ضدها فحسب، بقدر ما هو مسعى جاد للحيلولة دون تفجر المجتمع من الداخل، وانتشار ثقافة الطائفية على نحو أكبر مما هي عليه الآن، ولعلنا لا نبالغ هنا حين ننبه إلى هذا الخطر، الذي بدت أخطر إرهاصاته في ذلك التصعيد الذي شهدته مصر خلال الأيام الماضية، في وقائع كان يمكن أن تمر مرور الكرام، ولا يعيرها أحد أي انتباه، بل ولعلها ما كانت لتحدث بالأساس، لو أننا نعيش في كنف "دولة المواطنين" التي لا يتبنى دستورها في صدر مواده رعاية معتقد دون غيره، ويتنامى فيها دور سماسرة الأوطان والأديان، وباعة صكوك الغفران، في سياق ليس بعيداً عن يد الدولة ومؤسساتها المختلفة .

اللهم قد بلغت