www.rosaonline.net http://rosaonline.net/alphadb/article.asp?view=1246

الإرهاب والعقل المتعصب

 


الإرهاب، حتى الآن موضع تناول عسكرى سواء قيل عن هذا التناول العسكرى أنه استباقى أو متزامن للإرهاب، وعنوان هذا المقال يشير إلى إمكان تناول الإرهاب تناولا معرفيا، ومن هنا يحق لنا التساؤل عما إذا كان سبب الإرهاب هو خلق عقل متعصب، وعما إذا كان هذا العقل المتعصب مكتسبا أم فطريا، وأنا أستعير لفظى (مكتسب) و(فطرى) من علم النفس، حيث يقال سلوك مكتسب وسلوك فطرى. أما أنا فأريد أن أنقل هذين المصطلحين إلى العقل، فهل هذه النقلة ممكنة؟ هذا هو السؤال العمدة الذى تنبغى إثارته فى هذه اللحظة خاصة أن ثمة اتجاها فى السياسة الدولية يقول بأن التعليم هو المدخل إلى القضاء على الإرهاب، ومن البين أن التعليم على علاقة عضوية بالعقل. أبدأ بتحليل التعصب قبل أن أبدأ بتحليل العقل المتعصب حتى يمكن تحديد العلاقة بين الإرهاب والعقل المتعصب. التعصب ـ أو بالأدق الدوجماطيقية ـ لفظ مشتق من الـ دوجما وهى تعنى الأمر المطلق، ولا تعنى الحق كما هو شائع، وهى ضد الشك ومع الالتزام بمذهب مغلق، وهى تستند إلى مبادئ لم يتم اختبار صحتها فكريا أو واقعيا، وبناء عليه فإن الشخص الدوجماطيقى أو المتعصب، يمارس الحكم السلطوى، والعقل المتعصب هو مجموعة من الدوجمات مستمدة من سلطة خارجية وليس من التفكير الذاتى الأصيل النابع من عقل الفرد، ولذلك فإن أفضل تعريف للمتعصب هو ما قاله فولتير وهو ذلك الذى يكون مستعدا للقتل من أجل الدفاع عن فكره، والذى يجعل المتعصب هكذا هو اقتناعه التام أنه يقتل باسم شىء أعلى منه وأقوى منه، وهو فى الأغلب إرادة الأمة أو إرادة الله، ومن هذه الزاوية، ومنها وحدها، يمكن القول بأن العقل المتعصب هو عقل أصولى. وحيث إن الإرهاب الحاصل الآن على هذا الكوكب هو إرهاب يستعين بالدين الإسلامى، ويؤوله تأويلا أصوليا، فمن اللازم إذن إضافة سمة الإسلامى إلى العقل الأصولى فيصبح لدينا العقل الأصولى الإسلامى. ولفظ الأصولى مشتق من الأصول، أى الأسس، ومعنى ذلك أن الأصولى يزعم أنه يستند فى عملية القتل إلى أسس دينية، أو بالأدق أسس إسلامية، وكتابات الخومينى أقوى دليل على ما نذهب إليه، ونحن نختار من كتاباته كتابه المعنون الحكومة الإسلامية حيث الحاكم هو الله والسلطة مختصة بذاته وحده، ومن ثم فليس لأحد من دون الله حق التشريع، والمسلمون جميعا ليس فى إمكانهم تشريع قانون أو تغيير ما شرع الله لهم، ولهذا فالقانون الذى جاء به الله هو أساس الدولة الإسلامية، والدولة عندئذ دولة ثيوقراطية ديمقراطية على حد تعبير أبى الأعلى المودودى. ومن قبل المودودى كان سيد قطب ـ أحد أهم أقطاب حركة الإخوان المسلمين ـ قد بلور هذه الفكرة فى كتابه معالم فى الطريق حيث المجتمع عنده إما جاهلى أو حاكمى، أى إسلامى. الجاهلية هى عبودية الناس للناس بتشريع بعض الناس للناس، بما لم يأذن به الله، والحاكمية أو الحكم الإسلامى هى عبودية الناس لله وحده بتلقيهم منه وحده تصوراتهم وعقائدهم وشرائعهم. وقد جسد الخومينى مفهوم الحاكمية بتحويله إلى نظام اجتماعى فى عام 1979، وذلك بتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية التى حددها فى كتابه الحكومة الإسلامية، والتى تدور على فكرة محورية هى أن الأمر الإلهى له سلطان مطلق على جميع الأفراد وعلى الحكومة. وقد أصَّل على شريعاتى ـ منظر الثورة الإسلامية الإيرانية ـ فى كتابه سوسيولوجيا الإسلام لمشروعية الحرب الدينية باعتبارها أمرا إلهيا مطلقا من أجل تأسيس الدولة الإسلامية، حيث يقول: إن قصة هابيل وقابيل هى قصة التاريخ البشرى، أى قصة الحرب التى اشتعلت منذ بداية الخليقة إلى اليوم، فقد كان الدين هو سلاح كل من هابيل وقابيل، ولهذا السبب فإن حرب دين ضد دين هى العامل الثابت فى تاريخ البشرية، وإن شئنا الدقة قلنا إنه حرب التوحيد، ومن هذه الزاوية فإن الموت لا يختار الشهيد وإنما الشهيد هو الذى يختار الموت عن وعى. ويبين من هذه الاقتباسات أن العقل الأصولى الإسلامى يستند إلى أسلوب معين فى فهم النص القرآنى، وهو فهم يلتزم حرفية النص ويحرم إعمال العقل فيه أو تأويله بدعوى أن هذا يعتبر شركا، وهو بذلك يخلط خلطا واضحا بين الاجتهاد البشرى فى فهم القرآن وما يتوهم أنه الدين، ومن خلال هذا الخلط يطرح الفهم الأصولى معتقداته، أو دوجماتيته على أنها الأمر الإلهى المطلق، ويفرض هذه على الجماهير، ويكفر كل ما عداه من اجتهاد بشرى ويستعدى الجماهير عليه. والأصولية الإسلامية من حيث هى دوجما يمكن إيجازها فى ثلاث قواعد تطرح على أنها الأمر الإلهى المطلق : 1 - العالم منقسم إلى دار الإسلام ودار الحرب. 2 - الإسلام لا يعرف إلا الجاهلية أو الحاكمية. 3 - ضرورة الجهاد المسلح لإقامة الحاكمية فى العالم قاطبة. فى إطار هذه الدوجما القبلية أسس منظرو الأصولية الإسلامية فهمهم الحرفى للنص القرآنى بحيث أوجزوه فى الجهاد ضد غير المسلمين، وتحويل العالم إلى الحكم الإسلامى طبقا لفهمهم. وبناء على هذا الفهم فإن غير المسلم ليس هو من لا يدين بالإسلام فقط، بل هو أيضا غير الأصولى، وفى ظل هذا المناخ العالمى الأصولى نشأ العقل الدوجماطيقى الذى يدرك العالم ويفهم الحياة من خلال الدوجما الأصولية، والذى يخلط ما بين الدين كرسالة والدين كمعتقد، أو دوجما، ولا يفرق بينهما، ويعتبر أن الفهم الأصولى للدين مرادف للدين، أو ما يسميه الإسلام الحق، أو الحقيقة المطلقة، وفى هذا الإطار فإن ما يرتكبه الإرهابى من أفعال يجرمها العالم، ويطلق عليها فى القانون الدولى جرائم ضد الإنسانية لأنها توجه ضد المدنيين، هى فى تصوره تحقيق لإرادة الله وإعلاء لكلمته وإقامة دار الإسلام، وبهذا المعنى فإن الإرهاب من وجهة نظر الإرهابى فعل خير وإنقاذ للعالم. وتتمثل إقامة دار الإسلام فى إحياء الخلافة العثمانية، كما يقرر سيد قطب فى كتابه المستقبل لهذا الدين. والسؤال الملح الآن هو : هل فى الإمكان مجاوزة العقل الدوجماطيقى؟ وإذا كان هذا ممكنا فما هى وسائل هذه المجاوزة؟ إذا كان العقل الدوجماطيقى يرفض التأويل ويستند إلى الفهم الحرفى للنص القرآنى، فإن مجاوزة هذا العقل تكمن فى التأويل باعتباره المضاد الحيوى لجرثومة الدوجماطيقية، والتأويل كما عرفه ابن رشد فى كتابه فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، هو إخراج دلالة اللفظ من المعنى الحقيقى إلى المعنى المجازى، بيد أن هذا ليس بالأمر الميسور الآن، حيث إن غالبية المسلمين مازالت ترفض التأويل، وهى فى ذلك متأثرة بتاريخ مقاومة فكر ابن رشد وفلسفته، والتى توجت بإحراق كتبه وتكفيره ونفيه منذ ثمانمائة عام، ومازالت هذه المقاومة مستمرة إلى اليوم. إن إعادة المشروعية للتأويل لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال حركة إصلاح دينى شامل تسعى إلى تجديد الفكر الدينى فى إطار رؤية مستقبلية كوكبية تنشر تحديث المجتمع وتتبناها الدول التى تنشد مجاوزة الدوجماطيقية أما وسائل تحقيق هذه المجاوزة فتكمن فى ثلاثة مجالات: التعليم والإعلام والثقافة، وهذه المجالات التى تتجسد فى مؤسسات اجتماعية عليها مسئولية بث القيم الكامنة فى التأويل، وتوصيلها إلى الجماهير، ويأتى فى مقدمة هذه القيم: الإبداع والعقلانية والتسامح والتعددية، وهذه القيم من شأنها أن تقضى على ظاهرة التكفير التى تعوق التأويل وتحول دون مجاوزة العقل الدوجماطيقى، وهذا يتأكد فى مقولة ابن رشد الشهيرة لا يقطع بكفر من خرق الإجماع فى التأويل أو بعبارة أخرى لا عقل دجماطيقى مع التأويل. وحيث إن التعليم على علاقة عضوية بالعقل، أو بالأدق التعليم هو المدخل إلى تأسيس البنية الذهنية، فإن مجاوزة العقل الدوجماطيقى هى مسئولية النظام التعليمى فى المقام الأول. بيد أن السؤال الذى يبحث عن جواب الآن هو : كيف أسهم نظام التعليم، القائم على ثقافة الحفظ والتلقين، والمستند إلى مبدأ أن لكل سؤال جوابا واحدا صحيحا وكل ما عداه خطأ يستوجب العقاب بالرسوب، فى تأسيس وتنمية العقل الدوجماطيقى الإرهابى؟

د. منـــى أبو سنة