18 يناير 2005

متى يستكمل أقباطنا حقوق المواطنة؟

د. سعد الدين إبراهيم

 

 في عام 1973 وقع حادث طائفي في بلدة الخانكة بالقليوبية. كان عبارة عن احتجاج بعض المسلمين المتشددين على قيام أقباط من أهل الخانكة بإقامة شعائر دينية في مقر نادى ثقافي قبطي. وهو ما اعتبره هؤلاء المسلمون المتشددون تحايلاً من الإخوة الأقباط لتحويل نادٍ ثقافي إلى مكان للعبادة دون حصول على موافقة قانونية ببناء أو تحويل النادي إلى كنيسة، فتعرضوا لهم، وحدثت مواجهة أدت إلى إشعال النار في مبنى النادي الثقافي القبطي وهو ما دفع عدداً كبيراً من الأقباط لتنظيم مسيرة، يقودها قساوسة ورهبان من الإيبارشيات المجاورة احتجاجاً على ما حدث لناديهم الثقافي الذي كانوا يتعبدون فيه دورياً لعدم وجود كنائس قريبة من ذلك الموقع في تلك الأيام. ورغم أن الأمر تم احتواؤه ولم يترتب عنه قتلى أو جرحى إلا أنه هز المجتمع المصري من أدناه إلى أقصاه.

 وعقد مجلس الشعب جلسة طارئة لمناقشة ذلك الحدث الطائفي. وشكل لجنة رفيعة المستوى من أعضائه برئاسة وكيل المجلس آنذاك وهو الدكتور جمال العطيفي لتقصي الحقائق والتوصية بسياسات تكفل عدم تكرار مثل هذا الحدث وجابت اللجنة أرض الخانكة، واستمعت إلى شهادات مئات المواطنين والخبراء ورجال الدين الإسلامي والمسيحي.

 

 انتهت اللجنة في تقريرها إلى مجلس الشعب بعشر وصايا تمس القوانين والقواعد والأعراف التي تنظم بناء الكنائس ودور العبادة ومناهج التعليم والإعلام والثقافة. وكانت في مجملها وجوهرها ترمي إلى تفعيل مواد الدستور التي تنص على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المصريين، بلا تمييز في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة (المادة 40). وكانت ضمن ذلك التوصية أن تسري القواعد والإجراءات نفسها التي تنظم حقوق بناء المساجد على الكنائس ودور العبادة لغير المسلمين، وتنقية مناهج التعليم وبرامج الإعلام من كل ما يسئ لغير المسلمين من أبناء الوطن المصري الواحد.

 ونبهت لجنة مجلس الشعب، التي أصبحت تعرف باسم لجنة العطيفي إلى أنه ما لم تؤخذ هذه التوصيات مأخذ الجد، ويتم تنفيذها بواسطة الأجهزة المعنية، فإن أحداثاً طائفية مماثلة كما حدث في الخانكة ستقع مراراً وتكراراً. وعبرت اللجنة كتابة وأثناء عرضها للتقرير على مجلس الشعب شفاهة عن مخاوفها من تفاقم مثل هذه الأحداث مستقبلاً إذا تجاهلت الأجهزة المعنية توصيات اللجنة. ولم تأخذ الأجهزة التنفيذية توصيات لجنة العطيفي مأخذ الجد. وتحقق ما تنبأت به اللجنة. وتفاقمت الأحداث الطائفية.

 ووقع، مما سجلته الصحافة الرسمية، حوالي سبعين حادثاً كان أخرها الأحداث التي وقعت في البحيرة وسمالوط وأسيوط خلال شهر سبتمبر 2004 وكما توقعت لجنة العطيفي كان كل حادث أشد وطأة وتأزماً من سابقه والشاهد هو أن تكرار تلك الأحداث، وهي بمعدل حادثتين سنوياً، منذ تقرير العطيفي، أصبحت تتسم بالطابع نفسه: واقعة عادية لأفراد يكون أحدهما قبطياً والآخر مسلماً يتطور الخلاف فيها إلى توتر، ثم إلى شجار وسرعان ما يتدخل فيه آخرون، لا بقصد التوفيق، ولكن انتصاراً لطرف ضد الآخر وعند هذه اللحظة الحرجة، يكفي أن يتصارع أحدهم بكلمتي مسلم ومسيحي، حتى يشتعل الموقف، ويستنفر كل طرف ما يتيسر له من أبناء هذا الدين أو ذاك.

 ويتحول ما بدأ كخلاف شخصي إلى مواجهة جماعية صراعية، قد لا يعرف المشاركون فيها بعضهم البعض أو حتى كيف بدأت الواقعة. ويزيد الطين بلة عادة التدخل الشديد للأجهزة الأمنية، التي لا يتمتع أفرادها بالمعرفة والحكمة اللازمة لإدارة مثل هذه الأمور بنضج وحساسية.

كما أن بعض العاملين في هذه الأجهزة كثيراً ما يخلطون بين دواعي المحافظة على الأمن بسنوح فرصهم لتسوية حسابات قديمة مع واحد أو أكثر من الفرقاء.  إن تكرار هذه الأحداث الطائفية بوتيرة متصارعة وبأحجام أكبر منذ حادث الخانكة، ورغم تقرير العطيفي عام 1972، يعني أن هناك عطباً في تعامل الدولة والمجتمع مع المسألة القبطية، طوال الثلاثين عاماً الماضية، إن لم يكن طوال النصف قرن الأخير كله. فالدولة تجاهلت توصيات لجنة العطيفي، وسلمت ملف الأقباط لأحد أجهزتها الأمنية كما لو كان الأقباط يمثلون خطراً أو تهديداً للأمن القومي المصري، أو كما لو كانوا جالية أجنبية تعيش في مصر، دون أن تشعر بالانتماء لها أو الإخلاص لترابها.  وأمعنت الدولة وجهازها الأمني في إنكار وجود مطالب ومظالم ومشكلات خاصة لأقباط مصر. أكثر من ذلك فإن أجهزة الدولة المصرية دأبت على ملاحقة وترويع كل من يحاول فتح حوار علمي ثقافي سياسي حول هذه الأمور حتى لو كانت المحاولة في مقاعد الدراسة أو مراكز البحوث أو المنتديات العلمية أصبحت كلمة فتنة توجهها الأجهزة الرسمية لمن يجرؤ على إثارة هموم الأقباط فمن يطالع الخطاب الرسمي المصري سيجد أن فحواه هو أنه ليس للأقباط في مصر أي مشكلة. ومن يقول بغير ذلك فهو يقصد بمصر سوءاً، ولابد أنه مدفوع من قوى خارجية معادية لمصر وقد  مثل هذا الخطاب الرسمي إيذاء للأقباط والمسلمين على السواء وكانت النتيجة هي استمرار الأزمة وانفجارها دورياً، وأصبحت تسمي هذه الأزمات إما بأماكنها - مثل كفر دميانة، سمالوط عزبة الأقباط، الكشح، أو تعرف بأسماء أطرافها من الأفراد كما في حالة السيدة وفاء قسطنطين، أو راهب دير المحرق بأسيوط. ومن قوة الإيذاء لمنع الحوار حول المسألة القبطية، وصلت العدوى لقطاعات كبيرة في المجتمع ذاته فنرى صحفيين وشخصيات، كان واجبها أن تقود الحوار، تزايد على الخطاب الرسمي في تجاهل هموم الأقباط أو في إنكار وجودها تماماً كما تزايد في اتهام من يحاول أن يتصدى لهذا الأمر بأساليب علمية عقلانية. ولعلنا نذكر الزوبعة التي أثارها بعض هؤلاء بمناسبة تصدي مركز ابن خلدون لهذه المشكلة بتنظيمه مؤتمراً فكرياً علمياً لدراستها عام 1994 والتي قادها في حينه الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في مقال له نشر بالأهرام بتاريخ الجمعة 22/4/1994 تحت عنوان "أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الحضارية الإنسانية للشعب المصري"، وفيه نفى نفياً مطلقاً أن للأقباط أي مشكلات بل إن الحديث عن موضوع الأقليات حديث مشبوه، وادعى أن من تحركه مصادر خارجية رصدت لهذا الأمر مائة مليون دولار، طبعاً لم يقدم الأستاذ هيكل دليلاً على ما ادعاه ولكن لأنه يمثل أحد القمم الصحفية منذ عهد عبد الناصر، فقد تبعه عشرات الكتاب سواء كانوا مرموقين أو يريدون أن يكونوا مرموقين بإنكار وجود مشكلة للأقليات في العالم العربي. والطريف في الأمر أن الأستاذ هيكل نفسه بعد عشر سنوات منذ زوبعة الأقليات التي أثارها اعترف في حديث له على قناة الجزيرة القطرية اعترافاً صريحاً مطولاً بأن أكبر مشكلة تواجه مصر والعالم العربي في القرن الحادي والعشرين هي مشكلة الأقليات وأكبر تحد يواجه مصر والعرب هي مشكلة الأقليات، ورغم إقراره بوجود المشكلة إلا أن آخرين ممن اتبعوه قبل ذلك مازالوا ينكرون وجود المشكلة وكانت التجليات الدرامية لهذا الإنكار في بداية شهر ديسمبر2004 بمناسبة واقعة السيدة وفاء قسطنطين ومنهم الأستاذ عادل حمودة والأستاذ فهمي هويدي طوال أسابيع الأزمة كما فعل ذلك أحد الباحثين بمركز الدراسات الاجتماعية والجنائية وهو الدكتور البيومي غانم (المصري اليوم) 29/12/2004 فهؤلاء جميعاً يتهمون من يتحدث عن هموم الأقباط بإشعال البيت ناراً، وهكذا تتآمر الدولة مع عدد كبير من المثقفين في تجاهل وإنكار المشكلة القبطية.  ولكن ما هي المشكلة القبطية؟.

 تتلخص المشكلة القبطية في الهوة السحيقة بين ما ينص عليه الدستور من ناحية وما تمارسه السلطات المصرية من ناحية أخرى فالدستور ينص على المساواة في حقوق المواطنة المادة (40) دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو الأصل، ولكن في التطبيق هناك صور شتى للتميز والتفرقة ولعل أهمها وأبرزها ما يتعلق بإنشاء دور العبادة وهو الأمر الذي تعرض له تقرير العطيفي قبل 32 عاماً ولا حياة لمن تنادي. فما زال بناء كنيسة أو حتى ترميمها يحتاج إلى قرار جمهوري وهو الأمر الذي لا يحتاجه أي مسلم كي يشيد مسجداً أو زاوية مصلية في أي مكان. ناهيك عن التمثيل الهزيل للأقباط في المجالس المنتخبة محلية كانت أو قومية، أو في التعيينات السيادية والمناصب العليا القيادية حيث لا يوجد محافظ واحد أو رئيس جامعة واحد من الإخوة الأقباط. وقد فصل الأستاذ يوسف سيدهم هذه وغيرها من الأمور في السلسلة التي يكتبها بصحيفة وطني "الأمور المسكوت عنها" والتي وصلت إلى المائة مقال. ولكن الجزء الآخر من المشكلة هو أن استمرار هذا الإنكار دفع الأقباط دفعاً إلى الاعتصام بحبل كنيستهم. فأصبحت الكنيسة وطناً لهم بعدما شعروا بأن وطنهم الطبيعي يضيق بهم وبمشكلاتهم ولا يفسح هامشاً حتى لمناقشة هذه المشكلات أو الاستجابة لمطالبهم. والملاحظ أن الاعتصام واللجوء للكنيسة هو تقليد قبطي قديم منذ عصر الشهداء فقد كان الأقباط يلجأون  إلى صوامعهم بالصحراء هرباً من تنكيل السلطات الرومانية المحتلة لوادي النيل بهم عشرين قرناً وهم بذلك كانوا أول من استحدث نظام الرهبنة والتي أصبحت تمارس بما نسميه اليوم بالأديرة. ورأينا في الأسابيع الأخيرة التعبير نفسه حينما انتفض الشباب القبطي بفعل ذلك على أرض الكاتدرائية المرقصية بوسط القاهرة، ولجأ البابا شنودة إلى أحد أديرة وادي النطرون.  وإني لأعجب من أولئك الكتاب الذين انتقدوا سلوك الشباب القبطي الغاضب بلجوئه للكاتدرائية ونقدهم لاعتكاف البابا شنودة بوادي النطرون أليس ذلك مظهراً حضارياً سلمياً للتعبير عن الألم والغضب والاحتجاج؟ ماذا يقترح هؤلاء الناقدون على البابا شنودة والإخوة الأقباط أن يفعلوا للتعبير عن غضبهم؟ وأين مجلس الشعب من كل هذا، إنه لم يَرقَ لما كان عليه المجلس منذ 32 عاماً حينما كون لجنة لتقصي الحقائق والتي رأسها الدكتور العطيفي. ومن اللافت للنظر أن الصحف اليومية أثناء الأزمة حملت عنواناً واحداً لتصريح على لسان الدكتور زكريا عزمي بأن الرئيس حسنى مبارك والذي كان في زيارة للكويت أصدر تعليماته بسرعة احتواء الأزمة، والسؤال هو لمن أصدر هذه التعليمات؟! للأجهزة التي اتهمها الإخوة الأقباط بإشعال الأزمة؟ أم إلى مجلس الشعب الذي تجاهل الأزمة برمتها؟. الحل هو العودة إلى ليبرالية كاملة مثلما كان الحال عليه في العصر الذهبي للتآخي والتكافل والمساواة بين المسلمين والأقباط ما بين عامي 1919، 1952 لابد أن تحكم المصريين جميعاً قوانين واحدة وقواعد وإجراءات واحدة في كل أمور دنياهم وهو ما يعني اختصاراً "مجتمع مدني" يكون فيه الوطن فعلاً للجميع وإني أضم صوتي للمطالبين بأن يكون الزواج والطلاق وكل الأحوال الشخصية لقانون مدني واحد، تتم صياغته بمشاركة الكنيسة والأزهر على أن تنتهي مهامهما في كل الأمور الدنيوية بعد ذلك يكون الأمر للسلطات المدنية فقط دون إقحام الدين والفتاوى لا في مسألة وفاء قسطنطين ولا مسألة الكويز. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكل المؤمنين أقباطاً كانوا أو مسلمين.

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

Wed, 19 Jan 2005 13:08:11 -0800 (PST)

From:  "George El Masri" <george_elmasri@yahoo.com>

   

الدوله العلمانيه هي الحل عندما تكون هناك استحاله في ان تكون الحكومه هي التي تحافظ علي حقوق الاقليات. أننا نري الحكومه هي منشئ النزاع وهي المحرض الاساسي لما وصلت اليه حال مصر .

 

يتخيل المسلمين المصريين ان مصر دوله اسلاميه علي غرار السعوديه وتناسوا ان المصري القبطي هو صاحب البلد الاصلي. فمن حق المصري ان يحيا علي ارض وطنه كمواطن يتمتع بكافه حقوق المواطنه. مصر تحولت الي دوله عنصريه من الطراز الاول وللاسف تفتخر بها.

 

لن نري السلام الاجتماعي يسود مصر مره اخري طالما ان المواطن المصري المسلم ينظر للمواطن المصري المسيحي علي انه دخيل او انه اقل بأي حال من الاحوال وما يزيد الطين بله ان الحكومه هي التي بثت تلك الروح وسمحت بها.

 

وأكبر دليل علي انحدار مصر انحدار اخلاقي غير عادي هو ان هناك العديد من المصريين المسيحين قتل وخطف ومازال القضاء المصري في غيبوبه مازال  في عهد قضاء الفسحه حين كان القاضي يحكم بشرع يصعب فهمه او تأكيده من الاحاديث المتضاربه او الايات المنسوخه و تضارب التفاسير بين علماء المسلمين الاوائل والحاليين.

 

لابد من فصل الدوله عن الاديان و التشريع لابد وان يكون قائما علي القانون الوضعي كما في دول العالم المتقدمه... انه من غير المعقول او المقبول ان نعيش في القرن الحادي و العشرون بعقليه القرن السابع؟

        

 

"M. A. SABET" <sabet6664@msn.com> 

Date: Wed, 19 Jan 2005 11:27:38 -0700

I agree with the gist of your article, but I disagree with your recommendation that civil laws should be formulated in cooperation with the Church and Al-Azhar. I am of the opinion that civil laws must be purely secular. The Islamic civil laws which allow for polygamy, male dominance and inferiority of women; and, the strict Church laws which do not allow for divorce, planned parenthood and intermarriage between members of different religions are not suitable for our times.

 

Awadalla@aol.com 

Date: Tue, 18 Jan 2005 19:08:16 EST

Dr. Saad Eldin

That is excellent, and you got my vote on that 100%.

Thanks!

 

 

1