http://www.elaph.com/ElaphWriter/2005/3/49922.htm

 

تخبط الخطاب الديني وذر الرماد في العيون

   د. كامل النجار

GMT 21:30:00 2005 الثلائاء 22 مارس

أصبح التخبط في اتخاذ القرار والتحدث باسم الإسلام أمراً شائعاً في جميع الدول المسلمة والدول الغربية التي بها مسلمون كذلك، حتى أصبحنا في حيرة من أمرنا، لا نعرف من هو المتحدث باسم الإسلام الذي يجب أن ننصت له ونعي ما يقول. وكثرت المؤسسات الإسلامية وتعددت اجتماعاتها وتصريحاتها المكررة التي لا تخرج عن حيز الكليشيهات المحفوظة. ففي توصيات وقرارات صادرة عن اجتماعات الدورة الخامسة عشرة  لمجمع الفقه الإسلامي، التي أنهت أعمالها في مسقط حديثاً: " أن المقصود بالخطاب الإسلامي هو طريقة التعبير التي تبين حقائق الإسلام وشرائعه في شتى مجالات الحياة العامة والخاصة....... كما أوصى بالعمل على الاجتهاد البناء والتجديد في أسلوب الخطاب بما يجمع بين الأصالة والمعاصرة، أي مراعاة الثوابت والمتغيرات في رعاية المصالح الطارئة والأعراف التي لا تصادم أصول الشريعة." ونفهم من هذه التوصيات أن مجمع الفقه الإسلامي يصر على مراعاة الثوابت في الإسلام، أي بمعنى آخر المحافظة على ما قال السلف في أصول العقيدة. ثم جاء المؤتمر الإسلامي الدولي الذي اجتمع في القاهرة في مايو 2004 بعدة توصيات تحت عنوان (بيان القاهرة) منها: "دعوة المؤتمر إلى ضرورة بذل مزيد من الجهود لتعميق مفهوم الديمقراطية وإزالة العوائق التي  تحول دون تأسيس الأحزاب السياسية" مشيرا في هذا الصدد إلى "ضرورة احترام مبدأ الشورى كأساس لنظم الحكم في شتى البلدان الإسلامية." ومن هذا المنطلق ناشد المؤتمر الدول الإسلامية احترام ما قرره الإسلام من حقوق للمرأة، ونبذ العادات الدخيلة التي باعدت بينها وبين ممارسة حقوقها، مطالباً كافة المؤسسات والهيئات العلمية في مختلف البلاد الإسلامية وخارجها بالعناية بالوثائق التي تبرز التطبيقات العملية في التاريخ الإسلامي للتسامح الديني، ومؤكدا على حق كل شعب في الحفاظ على هويته الحضارية في إطار من التعاون والتقارب مع الحضارات الأخرى." ( موقع إيلاف الإلكتروني بتاريخ 1 مايو 2004).

فكل هذه المؤتمرات شددت على إرساء الديمقراطية وتعددية الأحزاب والمساواة بين المواطنين وإعطاء المرأة حقوقها التي منحها إياها الإسلام، بشرط الحفاظ على الثوابت . ومن هذه الثوابت "إطاعة أولي الأمر" وإن كانوا جائرين، لأن من أطاع ولي الأمر فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. والبلاد الغربية الديمقراطية لا يطيع مواطنوها ولي الأمر فيهم، إنما يطيعهم ولي الأمر إن أراد كسب أصواتهم، والكل يطيع القانون. فكيف نوفق بين دعوة المؤتمرات الإسلامية إلى الديمقراطية والتعددية وبين طاعة أولي الأمر؟ وكذلك من " الثوابت " أن الرجال قوامون على النساء ولا يجوز للمرأة أن تتولى منصب الولاية العامة على الرجال، وبالتالي لا يجوز لها أن تصبح وزيرة أو رئيسة وزراء أو قاضية...إلى آخره. وقد أصدر شيخ الأزهر السابق فتوى بأن المرأة لا يجوز لها الترشيح لمنصب الرئاسة في مصر. وقامت الدنيا ولم تقعد بعد عندما أمت الأستاذة أمينة ودود صلاة الجمعة في نيويورك في 18 مارس الجاري. فكيف نوفق بين دعوتهم إلى الديمقراطية والتعددية وإعطاء المرأة حقوقها، وبين الثوابت ؟ فالديمقراطية تدعو إلى مساواة المواطنين ولكل مواطن الحق في الترشيح والانتخاب. ولإظهار الشقاق العميق والتخبط في الخطاب الديني  قال شيخ الأزهر الحالي الدكتور محمد سيد طنطاوي  في تصريحات خاصة لصحيفة (الأهرام) المصرية " أرى شخصيًا في شروط الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية أن يباح للجميع مادام الراغب في ترشيح نفسه يجوز له أن ينتخب غيره.... ولندع لمن يريد من الذكور أو الإناث حق الترشيح ونفتح الباب لمن يرى في نفسه الكفاءة لتولي مسئوليات هذا المنصب الذي يمثل قيادة للأمة " ( موقع شفاف الشرق الأوسط بتاريخ 20 مارس 2005). فكيف نوفق بين هذا الموقف وبين إحدى الثوابت، وهو الحديث الشريف: " لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة " ؟
ولزيادة إيضاح التخبط الإسلامي فقد أصدرت لجنة الإفتاء في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية فتوى تتضمن ثلاثة آراء حول حقوق المرأة. وأوضحت " أن الرأي الأول يرى أن حق الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس الأمة غير ثابت للمرأة وانه مقصور على الرجال الذين تتوافر فيهم الشروط التي حددها الفقه الإسلامي لتولي الولايات العامة وذلك حسب رأي جمهور الفقهاء، وقال به بعض العلماء المعاصرين. أما الرأي الثاني فيرى هذا الحق ثابتا للمرأة كالرجل سواء بسواء فيجوز لها المشاركة في الانتخاب وكذا يجوز لها الترشيح لعضوية مجلس الأمة كالرجل لأن كلا منهما من أهل الولاية العامة عدا الخلافة. ويفرق الرأي الثالث بين الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس الأمة فيرى أنه لا مانع من مشاركة المرأة في انتخاب أعضاء مجلس الأمة كالرجل مع الالتزام بالضوابط الشرعية وأما الترشيح لهذه العضوية فلا يجوز لها، وهو ما قال به بعض العلماء المعاصرين ".(موقع إيلاف الإلكتروني بتاريخ 19 مارس 2005). غير أن كتلة النواب الإسلاميين بالبرلمان الكويتي تعارض هذه الفتوى اعتماداً على المنقول من الثوابت. والفتوى نفسها تبين مدى الارتباك في المفهوم الإسلامي للديمقراطية ومساواة المرأة بالرجل. والمحزن حقاً أن نفس اللجنة كانت قد أصدرت الفتوى رقم  1/1985 التي حرّمت على المرأة وقتها المشاركة في العملية الديمقراطية في البلاد. فماذا تغير بين 1985 والآن ؟ هل تطور الإسلام في هذه السنوات البسيطة؟ طبعاً لا، ولكن أمير البلاد غير رأيه وقرر إعطاء المرأة بعض الحقوق السياسية، فكان لا بد لوعاظ السلاطين من إيجاد فتوى تبيح ما قال به ولى الأمر، لأن طاعة ولي الأمر من الثوابت. وهو نفس الموقف الذي اتخذه الجامع الأزهر عندما جرد الشيخ علي عبد الرازق من منصبه في القضاء المصري وأزال اسمه من لائحة علماء الأزهر في سنة 1925 إرضاءً للملك فؤاد، حين أن أصدر الشيخ كتاب " الإسلام وأصول الحكم ، و تراجع الأزهر بعد ذلك عن قراره ورد إلى الشيخ عبد الرازق اعتباره. ولم يكن هذا السلوك غريباً على وعاظ السلاطين.
ومن الثوابت كذلك في الإسلام أن الله قد أتى بالإسلام ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، و " من أتى بغير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه " أو بمعنى آخر أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يعترف به الله والمسلمون، وبالتالي كل الأديان الأخرى لاغية. ولتأكيد هذا المعنى يخبرنا القرآن: " لا تجدوا قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ( المجادلة 22). وكذلك: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم "( المائدة 51). وطيلة الأربعة عشر قرناً الماضية ظل المسيحيون مضطهدين من قِبل المسلمين الذين فرضوا عليهم الجزية وحولوا كنائسهم إلى مساجد. ولكن فجأة أكد لنا شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي " أن الأديان السماوية جميعاً اتفقت على الإيمان بالله الواحد وعلى مكارم الأخلاق وأن المقاصد الأساسية التي أوجد الله الإنسان من أجلها هي الحوار وأن جميع الأنبياء دعوا للإخلاص في العبادة، والرسالات السماوية جميعاً واحدة في جوهرها."(الشرق الأوسط عدد 16 مارس 2005). وقال في افتتاح فعاليات الدورة الأولى لمنتدى الحوار الإسلامي المسيحي بين مجلس كنائس الشرق الأوسط والمنتدى الإسلامي العالمي للحوار: "  إننا هنا ننبذ التفرق والتعصب والعنصرية وسوء الظن، فهذه الرذائل تضعف الأمم القوية، والتعصب لا يلجأ إليه إلا من انطمست بصيرته ومن لا يفهم في الدين ولا الدنيا وأن العدل واجب وفرض في الإسلام وأن الظلم يخرب الأمم العامرة، وأن الأديان جميعاً تدعو للعدل واحترام الاخوة والحوار بين الأديان." ونفهم من هذا الطرح أن الخليفة عمر بن الخطاب الذي فرض على نصارى الشام عهده المشهور والمتعصب، لم يكن يفهم في الدين والدنيا لأنه لم يحاور النصارى كما يريد د. طنطاوي، وأن جميع المسلمين المصريين الذين جعلوا الأقباط في مصر يدفعون الجزية حتى عام 1850 لم يكونوا يفهمون الدين والدنيا. ويبدو أن د. طنطاوى قد تجاهل أحد أهم الثوابت: " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله، ومن قالها فقد عصم مني ماله ودمه ". وفجأة أصبح الحوار بين المسيحية والإسلام من الأشياء التي تدعو لها الأديان بعد أن زار السيناتور الأمريكي جون كيري مصر واجتمع مع شيخ الجامع الأزهر في يناير 2005. ونسي شيخ الأزهر أن يذكر لنا أن بناء كنيسة في مصر يحتاج لأكثر من ربع قرن لاستصدار قرار جمهوري أو تنفيذ هذا القرار إن صدر. وما كنيسة منقطين سمالوط- ببعيدة عن الأذهان. 

ويبدو أن الخطاب الديني والقائمين عليه مستعدون، رغم تكرار مقولتهم عن الحفاظ على الثوابت، لأن يتجاهلوا هذه الثوابت إذا طلب منهم ولي الأمر ذلك، كعادة وعاظ السلاطين، لكنهم غير مستعدين للتخلي عن الثوابت التي تقيّد المرأة وتمنعها من حقوقها السياسة، حتى وإن طلب منهم ولي الأمر ذلك، كما حدث في الكويت عندما عارض النواب الإسلاميون قرار أمير الكويت بمنح المرأة حقوقها، وكما أفتى شيخ الجامع الأزهر السابق والشيخ الكبير القرضاوي في عدة مناسبات. وكان الله في عون المرأة المسلمة.