http://www.elaph.com/ElaphWriter/2005/3/47756.htm

الملف السوري الإسرائيلي إلى أين؟  مجدي خليل الإثنين 14 مارس 2005

في خلال سنتين عرضت سوريا أربع مرات على الاقل عبر سياسيين ووسطاء غربيين رغبتها في إستئناف مباحثات السلام مع إسرائيل بدون أي شروط مسبقة. وفى سنة 2004 عرضت رغبتها هذه على العلن مرتين اخرها عبر وسيط الأمم المتحدة لارسن وتراوح الرد الإسرائيلي بين الرفض والفتور.
 هل الموضوع بمثل هذه البساطة؟ وهل الملف هو ملف سوري إسرائيلي فقط ؟ وماذا ستقدم سوريا لإسرائيل مقابل تخليها عن الأرض؟

في هذه المقالة سوف أشرح وجهة نظر الأطراف الأخرى في المعادلة في مقابل وجهة النظر السورية وبناء عليه نحاول وضع الصورة بكل أبعادها أمام القارئ .

 قبل 11 سبتمبر كان الملف سوري إسرائيلي فقط مع دعم أمريكي واضح للجانب الإسرائيلي، ولكننا الآن أمام وضع مختلف الملف الآن سوري إسرائيلي أمريكي دولي ، وكل طرف من هذه الأطراف له مطالب محددة من الجانب السوري يقابلها رؤية سورية للحد الأقصى لما يمكن أن تقدمه 

 دوليا هناك شبه إجماع على مسألة خروج سوريا من لبنان. وقد جسد قرار مجلس الأمن رقم 1559 مطالب المجتمع الدولي من سوريا، والقرار قيد المتابعة الدولية المستمرة، كما ان القرار تجاوز الطائف وبالتالى  فان الحديث عن الطائف اليوم هو التفاف على القرار الاممى الذى هو اوسع واشمل من الطائف. واين كان الطائف منذ خمسة عشر سنة للذين يريدون احياءه الان؟

المجتمع الدولي بصراحة يريد إنهاء كافة مظاهر الاحتلال السوري للبنان عسكريا ومخابراتيا واقتصاديا وتركه يمارس سيادته على أرضه في تجربة للتنوع الطائفي والديني تمثل نموذجا حضاريا للتعايش السلمي على أن يترك الشأن كله للبنانيين وحدهم . سوريا تقدم تبريرات غير مقبوله حول استدعائها من قبل اللبنانيين أنفسهم وأن ذلك كان لمصلحة لبنان . هل يمكن أن يستدعي أحد ليبقي ربع قرن؟ وهل طلب العون والنجدة من جارك يعني احتلال بيتك، أو انتهاك خصوصياتك واستباحك حرمة بيتك؟ وماذا عن أتفاق الطائف التي امتنعت سوريا عن تنفيذه؟. مؤخرا ألمحت سوريا إلى نيتها في خروج قواتها من لبنان قريبا ولكنها فى نفس الوقت تريد انهاء الاحتلال وإبقاء الهيمنة، بمعني تحويلها من قوة احتلال حاليا إلى قوة هيمنة على كافة أوجه الحياة اللبنانية السياسية وغير السياسية ، وهذا بدوره مرفوض من المجتمع الدولي ومن الولايات المتحدة ومن اللبنانيين أنفسهم .سوريا ليست دولة عظمى حتى يكون لها مناطق هيمنة . سوريا تعانى من ازمات داخلية سياسية واقتصادية حادة والافضل لها الانتباه الى ملفاتها الداخلية بدلا من السعى للهيمنة على جارة صغيرة.

 أمريكا بدورها لها مطالب محددة من سوريا ليس فقط رفع يدها عن العراق ومنع تسلل الإرهابيين من أراضيها إلى العراق والتوقف عن سياسة السيارات المفخخة الذي كان يمارس على أرض لبنان ونقل إلى العراق بفعل فاعل، وإنما أيضا تأييد النظام العراقي والحكومة العراقية في وضعه الجديد ، أي الاعتراف والتعامل بواقعية مع عراق ما بعد صدام . من ناحية أخرى تطالب الولايات المتحدة سوريا بوقف برامجها للأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ففي 22 يوليو نشرت نيويورك تايمز تقريرا عن تطوير سوريا لأسلحة كيميائية وبيولوجية، وبضغط وبتنسيق بين أوربا والولايات المتحدة  أتخذ الاتحاد الأوربي قرارا بالإجماع  فى25 مايو بوقف المفاوضات حول الشراكة السورية الأوربية ما لم تتخلي دمشق عن برامجها لتطوير أسلحة الدمار الشامل . وثالثا  تطالب الولايات المتحدة سوريا بموقف واضح ومحدد تجاه الإرهاب ، بما في ذلك علاقتها بحزب الله وبالمنظمات الفلسطينية في سوريا والمصنفة أمريكيا كمنظمات إرهابية . الجدل أيضا حول تعريف الإرهاب جزء من الخلاف السورى الامريكى، فبعد 11 سبتمبر لم يعد هناك ما يسمي بالإرهاب المشروع (كنوع من المقاومة) والإرهاب غير المشروع بل كل أنواع الإرهاب أصبحت غير مشروعة ولا يوجد إرهاب حميد وإرهاب خبيث بل كل انواع الارهاب امراض خبيثة  يجب استئصالها. سوريا من جانبها ترى أن المطالب الأمريكية غير مقبولة حيث لا يمكن اعتبار مقاومة الاحتلال حتى ولو بأدوات إرهابية هي عمل إرهابي بل مقاومة مشروعة ، وترى أن اعترافها وتأييدها للنظام الجديد في العراق هو اعتراف بتغيير قسري قد يطول نظامها فيما بعد  وأخيرا ترى أن التخلي عن برامجها لأسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية هو تجريدها من مصدر هام من مصادر قوتها أمام عدو يحتل أرضها ومسلح بكل أنواع الأسلحة المحظورة.

الولايات المتحدة لم تقتنع بالتبريرات السورية وتعتبرها تحدى لمشروعها ورؤيتها لضبط الشرق الاوسط كاخطر بؤرة توتر وتصدير الارهاب عالميا، وبناء عليه اتخذت موقفا انذاريا عبر "قانون محاسبة سوريا" والذي قد يتطور إلى محاصرة سوريا وربما إلى ضرب سوريا ما لم تستجيب للمطالب الأمريكية بوضوح.

 

ماذا عن إسرائيل ؟
     إسرائيل تدرك كل هذه الحقائق الدولية ، وتدرك وضع سوريا الصعب ، وتدرك أن سوريا تريد ان تدخل اوكازيون السلام في نهاية الموسم ومتأخر جدا ، والذي يدخل للتبضع في نهاية الموسم يحصل على فضلات الآخرين. والشجاعة والذكاء تقتضيا الدخول في الوقت المناسب وهو ما فعله السادات من قبل ، ولو قام الرئيس بشار الآن برحلة إلى إسرائيل لن يكون لها مردودا إيجابي يذكر والمطلوب منه رؤية خلاقة أخرى وتنازلات مؤلمة بالنسبة لدولة تعيش منذ نصف قرن في شعارات وطقوس عدائيه ويتغذى نظامها على فكرة العداء لإسرائيل وحصل على استقراره وشرعيته من وراء ذلك .

العداء السوري لا يكلف إسرائيل شيئا بل على العكس كله فؤائد  ، واحتلال الجولان امن بدرجة كبيرة، فلم تطلق سوريا رصاصة واحدة منذ نهاية حرب 73 واى محاولة للخروج من حالة السكون هذه بطريقة غير مباشرة تقابل برد اسرائيلى عنيف مثلما حدث فى اختراق الطائرات الاسرائيلية للعمق السورى ، والجولان فى النهاية ليست غزة فهي منطقة مخلخلة سكانيا ولا يوجد ضغط ديموغرافي على إسرائيل يكلفها أرواحا بشرية كما أن مناوشات حزب الله تتقلص بفعل عوامل دولية كثيرة .

 إسرائيل تري أن النموذج المصري للسلام لم يحقق المطلوب ، فهو تطور من الأرض مقابل السلام إلى الأرض مقابل وقف الحرب ، ولو كان الرئيس السادات يعيش إلى اليوم لكانت الصفقة الإسرائيلية رابحة أكثر لأنه كان جادا في فكرة السلام الحقيقي وليس السلام البارد.

 النموذج المصري غير قابل للتكرار مع سوريا فالتوقيت غير التوقيت، وسوريا ليست مصر ، وتحييد مصر وإخراجها من الصراع والاعتراف  بإسرائيل كان هو الثمن الذي حصلت عليه إسرائيل مقابل التنازل عن سيناء. وكانت إسرائيل تسعي إلى المزيد عبر سلام طبيعى حارولكن مصر فضلت العودة للصف العربى وتنفيس غليان الشارع عبر تبريد السلام، ورغم ذلك حصلت اسرائيل على ثمن من مصر كما قلت كانت تحتاجه وقتها ولا بد أن تقدم سوريا أشياء أخري مختلفة الآن.

إسرائيل طالبت سوريا عبر تصريحات رئيس وزرائها بالخروج من التكتيكات والمناورات إلى الإعلان عن نوايا حقيقية للسلام ، وحسب قول الجانب الإسرائيلي لا يمكن أن تدعي أنك تسعي للسلام وتدعم الإرهاب في نفس الوقت . إسرائيل تطالب سوريا بطرد المنظمات الفلسطينية من أراضيها وهي بالتحديد الجهاد وحماس والجبهة الشعبية ولا تري أنها مكاتب إعلامية فقط كما تقول سوريا، وإنما مكاتب تنسيق ومتابعة وتخطيط، ولا يمكن أن تأوي منظمات تصنفها هي إرهابية وتصنف دوليا كذلك وتدعي أنك تسعي لسلام جاد في نفس الوقت. إسرائيل أيضا تطالب سوريا بتصفية حزب الله ، وهذه مطالب مبدئية قبل الكلام عن مباحثات سلام أو خلافه، بل ومؤخرا طالب شارون سوريا بالخروج من لبنان قبل الحديث عن مباحثات سلام.

سوريا من جهتها ترى أنها صاحبة حق لأرض محتلة وتملك شرعية دولية لاستعادة أرضها وفقا لقرارات مجلس الأمن 338 ، 242 ولا يحتاج المطالبة بالحقوق المشروعة إلى تنازلات بهذا الحجم .
     الحقيقة أن المطلوب من سوريا مؤلم بالنسبة لنظام تعبوى شعاراتي ولكنه أساسي لو كانت تريد أن تحصل على حقوقها وتعيش أمنة وتطور استراتيجيتها من "طقوس العداء" إلى "اجندة النهضة"، ففى النهاية لن يجدى الحشد المصطنع للمظاهرات ولا ثقافة الكلام الكبير فالسياسة هى فن الممكن والتعامل بواقعية مع المشهد الراهن.

 المطلوب من سوريا أن ترى العالم بنظارة جديدة شفافة تعكس الواقع الحقيقي، وتتجاوب مع المطالب المتماهية فى هذا الوقت إسرائيليا وأمريكا ودوليا وألا فلن تحصل على شيء وربما ستواجه عواقب وخيمة.
magdikh@hotmail.com

http://www.elaph.com/ElaphWriter/2005/3/46244.htm

هيكل بين عام الغيبوبة وعام الفزع

 مجدي خليل

الثلائاء 8 مارس 2005

استمعت باهتمام إلى حديث الأستاذ محمد حسنين هيكل لقناة الجزيرة، والتي أذاعته عدة مرات، في تقييمه لحصاد عام 2004 وتوقعاته للعام الحالي. لم يأت الأستاذ الكبير بجديد خلافا لأفكاره المتعارف عليها. وصف الأستاذ هيكل عام 2004 بأنه عام " الغيبوبة العربية " في حين وصف عام 2005 بأنه عام " الفزع" للعالم العربي. وفقا لرؤيته فإن هذه الألفاظ تأتي كتوصيف حقيقي للموقف، في حين وفقا لرؤية أخري تري الأمور بمنظورها الديناميكي تجاه الإصلاح يمكن أن نطلق على عام 2004 عام " تحريك الركود العربي" أما عام 2005 فنأمل أن يكون عام " التغيير ". الأستاذ هيكل يرى هذا التغيير على أنه فزع في حين نرى أن الأمور تحركت من أوضاع سيئة في السودان ولبنان والعراق وفلسطين وبدرجات أقل في السعودية ومصر، ونأمل أن تتوج هذه التحركات في المياه العربية الاسنة نحو تغيير حقيقي في عام 2005 ليتوج الآمال العربية نحو الإصلاح والاستقرار والديموقراطية.

وفقا لطرح الأستاذ هيكل والمدرسة التي ينتمي إليها يمكن أن نلخص رؤيته هذه في عدد من الأبعاد هي:
أولا: الاستقلال بديلا عن التقدم
مدرسة الأستاذ هيكل تري غاية المراد هو الاستقلال، أما المدرسة التي انتمي إليها فتري أن الغاية هي التقدم والرفاهية للفرد، وأن الاستقلال وسيلة نحو استعادة الأمم والأفراد لسيادتها ومن ثم خطوة أولية نحو التقدم. مدرسة الأستاذ هيكل كل غايتها الخلاص من الاستعمار الأجنبي، ولكن أقصى أنواع الاستعمار هو الاستعمار من الداخل، فالاستعمار الخارجي يبقي ظاهرا ومعروفا ومرفوضا دوليا ويولد مقاومة داخلية ومهما طال لا بد ان ينتهى، أما الاستعمار من الداخل فهو الاقسى والأكثر شراسة على الفرد الذي هو المكون الأساسي للوطن. مدرسة الأستاذ هيكل تتغني دائما بالتخلص من الاستعمار الخارجي لأنها متهمة بتوريط المجتمعات العربية في استعمار داخلي مستبد التهم الأخضر واليابس منذ أكثر من نصف قرن وترك المواطن العربي حطاما يأتي في ذيل القائمة البشرية ليس في الحريات فحسب وإنما أيضا في مستوي الدخول والرفاهية.
ثانيا: الصراع بديلا عن التعاون
مدرسة الأستاذ هيكل ترى جوهر العلاقات الدولية هو الصراع، ولهذا تراهم في حالة حشد دائم للجماهير من آجل عدو حقيقي أو وهمي، المهم لا صوت يعلو على صوت الصراع. المدرسة التي انتمي إليها ترى أن جوهر العلاقات الإنسانية والدولية هو التعاون وليس الصراع، وأن الصراع يعتبر أمر سيء يعترض التعاون ويعطل التقدم وهو نكسة بشرية ولهذا نسعى دائما لتفعيل التعاون وتهميش الصراعات.
ثالثا: الماضي بديلا عن المستقبل
المدرسة التي ينتمي إليها الأستاذ هيكل ترى كل شيء بمعايير الماضي، ولهذا فكل المصطلحات التي يكررها هي من مفاهيم ذلك الزمان وهو يقوم بتقييم كل شيء وفقا لهذه المعايير الماوضوية سواء الماضي القريب أو الماضي البعيد، هو يتحدث عن التجربة التي عاشها مع عبد الناصر باعتبارها النموذج للتقدم والاستقلال والكرامة الوطنية ويقوم بمقارنة الواقع واستشراف المستقبل بناء على هذه المعايير، ونحن نرى إنها تجربة فاقت سلبياتها إيجابياتها بكثير ولهذا فهي تجربة لا تصلح للقياس عليها او الاقتداء وإنما الهرب منها والاستفادة من أخطائها. نحن نأخذ من الماضي عبرة ودروسا ولكن نرى أن الحاضر هو الذي يصنع المستقبل وما نفعله الآن هو الذي سيجنيه أبناؤنا في العقود القادمة.
رابعا: الخيال بديلا عن الحقيقة
الأستاذ هيكل يتسم حديثه ببراعة لفظية غير عادية في التلاعب باللغة والألفاظ، لك أن تتخيل مواطن عربي محبط يعاني من الجهل والأمية، وترى الأستاذ البارع ينزل عليه بألفاظ مثل " العرب تحولوا إلى مادة سائلة تضخ في أنابيب إسرائيلية ". وسط هذه البراعة في الحشد من آجل الصراع والتشبث بمفردات عفا عليها الزمن يهبط علينا الأستاذ بعبارات وأرقام لا نعرف من أين أتي بها، مثل في خريف 2004 فقط أنفق العرب 600 مليون دولار على مؤتمرات وندوات الإصلاح، ومثل الحملة الانتخابية الأمريكية الأخيرة تكلفت خمسة بلايين دولار !!، ومثل قوله أن الابتزاز الأمريكي وصل إلى التهديد بتجميد حسابات كل سياسي أو زعيم أو رئيس عربي لا يتعاون معهم !!. أو تحليله المستفيض عن موت عرفات بفعل فاعل !!،مثل قوله السابق ان الصرب هم الذين دمروا برجى نيويورك ولم يحاسبه احد بعدها عن هذه الفتوى، وهكذا بعد هذا العمر الطويل لم يتخلص الأستاذ الكبير من عادة الزج بما يخدم رؤيته من أرقام وعبارات ومش مهم مدي صحة أو دقة هذه الأرقام اوالعبارات المهم خدمة الدلالات كما يراها الأستاذ الكبير.
خامسا:: الهيمنة بديلا عن التعاون الاقليمى:
ينتقد الأستاذ فكرة مصر أولا ويقول مصر أولا وأخيرا معناه مصر أخيرا فقط، لأنه لا توجد دولة تستطيع أن تعمل بمفردها، ولكن هذه مغالطة أخرى هناك فرق بين التعاون الأقليمي والدولي وبين الهيمنة، وهناك فرق أن تعمل من خلال مجال حيوي يثري العمل وبين السيطرة على هذا المجال، مصر عبد الناصر، والتي كان هيكل أحد أركانها الأساسية، لم تكن تعمل من خلال تعاون عربي وإنما كانت تسعي للهيمنة من خلال فرض مفهوم قومي عربي بالتهديد أحيانا وبالعمل العنيف أحيانا أخرى وبدون النظر إلى رغبات الشعوب وتطلعاتهم بل العمل بلا كلل من اجل غسيل مخ شعبي من خلال آلة إعلامية موجهة مدجنة لخدمة هذه الإيدولوجية. وقد أصيبت أنظمة عربية كثيرة بعد ذلك بداء الهيمنة التى روجت له مدرسة الأستاذ هيكل من العراق إلى ليبيا إلى سوريا، ويبدو أننا نشهد اليوم الاحتجاج الواسع ضد بقايا هذه الهيمنة وما يحدث في لبنان خير دليل على ذلك.
أعتقد مصر أولا، سواء اتخذ لسياسة في مصر أو بعض الدول العربية التي أعلنت عن نفس السياسية، هو الخطوة الأولي نحو تصحيح علاقة الحاكم بالمحكوم للاهتمام بالمواطن أولا وقبل أي كلام كبير لا طاقة لأحد على تحمل أعباءه وتكاليفه المادية والعسكرية والنفسية.
سادسا: التشاؤم بديلا عن التفاؤل
طبيعي أن يرى الأستاذ هيكل الواقع والمستقبل من خلال نظارة شديدة السواد فهذا جزء من أثبات أن الوضع السابق الذي انتهي عمليا بهزيمة 67 الكارثية، كان أفضل من الوضع الحالي ونفس الشيء يفعله الإسلاميون في مقولاتهم المتكررة مثل جربنا الاشتراكية وفشلنا، جربنا القومية العربية وفشلنا، جربنا الرأسمالية وفشلنا ولم يبق غير تجريب الحل الإسلامي وكأن هذا الحل لم يجرب خلال ما يزيد عن عشرة قرون وليس سنين ولم يجرب في إيران وأفغانستان والسودان.. الخ. التيار القومي والتيار الديني يحاولان تسخيف أي خطوة إيجابية في حين أجزم بأن كل الأخطاء والكوارث أتي بها هذان التياران، وأن أول خطوات العلاج هو التخلص نهائيا من أثار هذه التيارات المدمرة لصالح الدولة الوطنية ومشروع التقدم.
تشاؤم الأستاذ هيكل أذن ليس تشاؤما طبيعيا وإنما هو " تشاؤم إيدلوجي " كجزء من الترويج لمدرستهم.
وأخيرا: الدوجماتية بديلا عن الواقعية
 في كل طرح مدرسة الأستاذ هيكل يبعد عن الحقيقة الأساسية البسيطة في الحياة، وهي أن رفاهية الفرد هي الهدف الأساسي من أي نشاط سياسي أو اقتصادي، هم يغرقونك في كلام ضخم يتضاءل فيه بشكل كبير الفرد حيث يتوه وسط مشاريع وأحلام فوق طاقة الدول، تبحث عن الفرد في كل مشاريعهم لا تجدله اثرا وإنما تجد الجماعة، بل يكون الفرد أداة تسحقه وتدهسه هذه الآلة الضخمة او الحلم القومي أو..
كانت هذه بعض الملاحظات على رؤية الأستاذ هيكل لسنة 2004 و 2005 ويبقي الحلم والأمل في التغيير هو الهدف المنشود الذي نسعى ونعمل من آجل تحقيقه لصالح الفرد المواطن أولا وثانيا وأخيرا.

magdikh@hotmail.com

http://www.elaph.com/ElaphWriter/2005/2/43860.htm

القول الأمين في مسألة وفاء قسطنطين

 مجدي خليل

الأحد 27 فبراير 2005

شغل موضوع السيدة وفاء قسطنطين الرأي العام المصري بشكل غير متوقع، وأنا عائد من رحلة إلى القاهرة لا أبالغ إذا قلت أن الثقة بين المسلمين والأقباط وصلت حدها الأدني منذ أكثر من خمسة عقود نتيحة للتداعيات السلبية لهذه الحادثة والتراكمات التي لم تعالج في ملف قضية المواطنة والتي تدهورت بشكل لافت للنظر في العقود الثلاثة الأخيرة.
وقد أفردت الصحف المصرية صفحات مطولة لهذه القصة ويؤسفني أن أقول أن أغلب ما كتب باستثناءات قليلة يبعد تماما عن الحقيقة وعن المهنية الإعلامية وعن المسئولية الأخلاقية، وهو ما لا يعكس أزمة في الصحافة فحسب ولكن في منظومة القيم التي تحكم المجتمع المصري والتي تتدهور بمعدل متسارع وما الصحافة إلا التعبير الأكثر فجاجة عن هذا التدهور.

ما هي الحقيقة في كل ما جري؟

الحقيقة كما عرفتها بنفسي من مصادرها خلال هذه الزيارة أن سيدة زوجة كاهن لأسباب عائلية وشخصية بحتة أرتأت أن المخرج من هذه الأزمة العائلية أن تدخل فى دين الأغلبية ففيه الحل لمشكلتها الاسرية وفيه الهرب من أزمتها الشخصية الحادة كما تصورت. إلى هذا الحد فالموضوع طبيعي ويحدث كثيرا في المجتمعات الدينية المتخلفة مثل مصر حيث يكون تغيير الدين والأحتماء بدين الاغلبية،كما يتصور البعض، فيه المخرج من ازمات شخصية ومالية واجتماعية، وهو حادث متكرر فما الجديد أذن؟

المتعارف عليه لدى الباحثين المحايدين المنصفين، سواء كانوا مصريين أو أجانب، أن الدولة المصرية وأجهزتها وخاصة جهاز مباحث أمن الدولة تقوم بدور غير محايد في مسألة تغيير الدين في مصر، فإذا قرر شخص أعتناق الإسلام تدخل هذه الأجهزة وكأنها طرف أساسي مساند لعملية التغيير بما في ذلك التستر على جمعيات ومنظمات وأفراد ترتكب جرائم في هذه الأطار ويخرج دور الأمن من مقاوم للجريمة إلى متستر على الجريمة ومشاركا فيها، وهذا الوضع يحدث في أسوأ المجتمعات الدينية المتخلفة وللأسف يحدث هذا في مصر بشكل واسع في العقود الثلاثة الأخيرة. وقد رصد باحثون غربيون هذه الظاهرة وكتبوا عنها مقالات وأبحاث نشرت بشكل أساسي في الغرب. أما إذا كان الشخص يريد تغيير دينه من الإسلام إلى المسيحية تقوم نفس الأجهزة بمطاردته وتعذيبه وينتهي به الأمر إما إلى التراجع أو الهرب إلى الخارج أو يفقد كل شيء في الداخل بما في ذلك تحوله إلى ضيف دائم على مباحث أمن الدولة.

في مصر توجد لوائح منذ عشرات السنين تنظم عملية تغيير الدين ومنها أن يجلس رجل دين مسيحى ليعظ الشخص الذي يريد أن يغير دينه لأثناءه عن هذه العملية والتأكد من سلامة قناعاته. هذا الحق فرغ من مضمونه بضغط مباحث أمن الدولة المصرية، فأصبح رجل الدين يلتقي بالشخص في حضور مباحث أمن الدولة وفي جو يغلب عليه طابع الإرهاب والتخويف ولمدة قصيرة لا يستطيع من يريد تغير دينه أن يفكر في التراجع إذا أقتنع في هذا الجو المشحون بالتخويف والمساندة الامنية والإنفعالات الأسرية والغسيل الدماغي،وتتم العملية والدولة بكل جبروتها تقوم بدور الخصم فى مواجهة اسرة مكلومة وكاهن مغلوب على امره؟

ماذا حدث في موضوع زوجة الكاهن؟

كل ما حدث في هذا الموضوع تحت ضغط المظاهرات القبطية التي قادها في الأساس أخو زوجة هذا الكاهن وأفراد بلدتها، أضطرت الكنيسة الى الإصرار على تطبيق حق الإرشاد في جو محايد وهادئ ولوقت كاف، وتحت الضغوط كان لها ما كان وعدلت المرأة بمحض رغبتها وسجلت ذلك في محضر رسمي أمام النيابة العامة.
ومن وقتها وهناك حالة هياج في الصحافة الأمنية في مصر، وللأسف أيضا من شخصيات أسلامية كبيرة تمثل زبائن دائمة على منتديات حوار الحضارات في العواصم الغربية والشرقية.

ولوضع النقاط على الحروف هناك إجماع قبطي لمتسه بنفسي في الداخل والخارج على ثلاثة أمور يتعين أن تتحقق :

الطلب الأول : لجنة محايدة تضم شخصيات مسلمة وقبطية محترمة وحكيمة تذهب بنفسها لمقابلة السيدة وفاء قسطنطين وتتأكد من أنها أختارت ما أختارته بإرادتها الحرة بدون ضغوط من أحد، وإذا رغبت أمام هذه اللجنة أن تعتنق الإسلام فهذا حقها الذي لا يجادل أحد فيه ولا تستطيع الكنيسة أو غيرها أن تحرمها من ممارسة هذا الحق. وأنا أدعو أن يرأس هذه اللجنة شخصية مسلمة لها مصداقية مثل سعد الدين إبراهيم أو رفعت السعيد أو طارق حجي أو هشام قاسم رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أو بهي الدين حسن رئيس مركز القاهرة لحقوق الانسان أو ترأسها سيدة مثل هالة مصطفي، ويمكن أن تكون هذه اللجنة من المجلس القومي للمرأة برئاسة السيدة سوزان مبارك وخاصة أن الموضوع يتعلق بحقوق امرأة في أختيار عقيدتها أو من المجلس القومي لحقوق الإنسان، بل أن الأقباط يثقون تماما في إنسانية وعدالة ورحابة صدر الأمام الأكبر شيخ الأزهر وليس هناك مانع من أن يرأس هذه اللجنة بنفسه سماحة الأمام الأكبر ويتأكد بنفسه ويستمع بشخصه ومعه أعضاء اللجنة من السيدة وفاء قسطنطين حتى نضع حد لهذه البلبلة المفتعلة.بالطبع يقبل الاقباط ان تكون اللجنة عربية او دولية يرأسها حتى مفكر اسلامى بارز مثل رضوان السيد او شخصية مرموقة مثل الامير طلال بن عبد العزيز.
المطلب الثاني : الذي يطالب به الأقباط هو وضع قانون ينظم الحريات الدينية يطبق على الجميع وينبع من الأعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتشمل الحريات الدينية كما جاءت فى الاعلان العالمى لحقوق الانسان :

أولا : الحق في اعتناق دين ما أوعدم أعتناق أي دين، والحق في تغيير هذا الدين بشكل طبيعى وسلس وبدون أي مضايقات.وتشمل ثانيا : الحق في الإجهار العلني للمعتقد وممارسة العبادة وإقامة الشعائر والطقوس والمواكب الدينية والحج إلى الإماكن المقدسة. وتشمل ثالثا : الحق في أن يكون المرء محميا بواسطة القانون والقضاء في كل فعل يمثل تعديا على الممارسة الحرة للديانة.وتشمل رابعا : الحق في إقامة أو تأسيس بيوت العبادة والمحافظة عليها وأن يكون هناك قانون موحد ينظم بناء دور العبادة للجميع بدون تفرقة، والحق في الإجتماع فيها لإقامة الاحتفالات الدينية.وتشمل خامسا : على إزالة خانة الديانة من كل الهويات الشخصية والأوراق الرسمية وغير الرسمية وتجريم من يطالب بمعرفة دين الأخر. وتنطوي أخيرا على حرية التعليم الديني وتلقين المعتقدات الدينية والحق في مساحة إعلامية دينية مناسبة.
إن صدور قانون للحريات الدينية يجعل الدين كما هو في المجتمعات الغربية مسألة شخصية لا دخل لأحد فيها وإنما تمثل حالة خاصة بين الإنسان وإلهه. أنني كشخص علماني ناشط في الدفاع عن الحريات يؤسفني بشدة ما وصلت إليه حالة الاحتقان الديني والهوس الديني في المجتمع المصري، حتى أصبح الدين قاسما مشتركا في كل مفردات الحياة وهذا شيء مزعج حقا ومظهر من مظاهر التخلف والنكوص الإنساني إلى حالة بدائية منفرة.
على الذين يتباكون على وفاء قسطنطين أن يطالبوا بقانون عادل للحريات الدينية، إذا كانوا يؤمنون بها أصلا، فقد أثبتت الأحداث أن هذه شخصيات متعصبة، تحمل خطابا عنصريا تفجيريا للمجتمع المصري وتريد ان تقفز عليه فى لحظة فوضى وتخريب.
المطلب الثالث : الذي يطالب به الأقباط ومعهم دعاة الحريات والحقوق هو تشكيل لجنة تقصي للحقائق عن الأوضاع الحقيقية بين المسلمين والأقباط والمشاكل التي تتعرض لها الأقلية القبطية بدون رتوش أو كلمات مجاملات كاذبة. وقد تكونت لجنة برئاسة رجل فاضل هو د. جمال العطيفي وكيل مجلس الشعب عام 72 وقدمت توصيات هامة في هذا الملف وللأسف لم تطبق الحكومة المصرية أي من توصياتها، وعند تشكيل لجنة العطيفي كانت المشاكل محدودة جدا والآن وصلت المشاكل إلى ظلم وإضطهادات وهي تحتاج إلى لجنة محترمة على غرار لجنة العطيفي تبحث هذا الملف الشائك وتضع توصيات ملزمة لحله.
مسألة وفاء قسطنطين لم تكن تستحق كل هذه الضجة ولكنها للاسف أظهرت تأكل الحياة المدنية فى مصر بشكل مخيف، وعند ظهور العصبيات الدينية يغيب العقل وتدفع الاقليات الدينية ضريبة فادحة، وهو ما يحدث للاقباط منذ اكثر من ثلاثة عقود ولا يزال.

magdikh@hotmail.com

 

 

http://www.elaph.com/ElaphWriter/2005/2/43355.htm

على من تقع المسئولية: من سعد الدين إبراهيم إلى أيمن نور

 مجدي خليل

الجمعة 25 فبراير 2005

في عام 2000 القى القبض على د. سعد الدين إبراهيم وحبسه وتقديمة للمحاكمة بعد ذلك بتهم ملفقة لا تستند على أسس قانونية أو أخلاقية صلبة وكان يشتم من الموضوع كله رائحة شخصية لتصفية خلافات سياسية مع الرجل. وحكمت عليه أحدى محاكم أمن الدولة بسبع سنوات قضى منها سنة، ومع الضغوط الدولية تم تحويل قضيته إلى القضاء المدني الذي لم يحكم ببراءته فقط وإنما قدم حيثيات هامة فيما يتعلق بحرية المجتمع المدني المصري في الأتصال بنظيره الدولي وفي الحصول على التمويل اللازم لممارسة نشاطه من المجتمع الدولي طالما أن ذلك يتم بشفافية ويتم المحاسبة عنه ضريبيا. أرسي حكم محكمة النقض أسس هامة كنا نظن أن من قاموا بفعلتهم ضد سعد الدين إبراهيم قد اتعظوا منها ومن الخطأ الجسيم الذي أرتكبوه في حق سمعة مصر الخارجية وحقوق مواطنيها.

تابعت قضية سعد الدين إبراهيم بدقة من موقعى في أمريكا واعتقد أنه في تاريخ مصر الحديث كله لم يكتب هذا الكم من المقالات والتحليلات والأخبار في الصحافة الأمريكية مثلما كتب لمساندة والدفاع عن سعد الدين إبراهيم، فالضمير الثقافي والأخلاقي الأمريكي لم يقبل أن يسجن شخص بوزن سعد الدين إبراهيم وفي سنه، فهو أستاذ بالجامعة الأمريكية، وهو أمريكي الجنسية، وهو متزوج من أستاذة نشطة وصلبة جدا هي باربارا إبراهيم، وهو أهم داعية للمجتمع المدني والديموقراطي في منطقته، وهو وقتها تعدي الستين عاما من عمره، وهو في النهاية يحمل قلم ولا يملك مسدسا وحوكم على أنشطته الإيجابية لصالح تطوير مجتمعه.

رغم الكم الكبير من المقالات والتحليلات في الصحافة الأمريكية والغربية لمساندة سعد الدين إبراهيم بما في ذلك عدد من افتتاحيات الصحف العالمية الكبرى إلا أن الحكومة المصرية تعاملت مع الموقف بأذن من طين وأخرى من عجين، دخل كثير من المسئولين الأوربيين و الأمريكيين بنقد قرار الاعتقال، وكذلك طلبوا من الحكومة المصرية الإفراج عنه أو تقديمه لمحاكمة عادلة، وتعاملت الحكومة المصرية مع كل ذلك بالتمادي في العند والإدعاء بالسيادة والاستقلالية والكثير من هذا اللغو. تزامن مع ذلك إطلاق أكبر حملة إعلامية مصرية موجهة من الحكومة وأجهزتها لتشويه سمعة الرجل وإلصاق كل نقيصة وطنية وأخلاقية به بطريقة أظهرت كيف يدار الإعلام المصري من قبل الأجهزة الأمنية.
ولم ينقذ الموقف إلا تدخل الرئيس الأمريكي ذاته على الخط وتهديده باتخاذ إجراءات عقابية صارمة ضد مصر فيما يتعلق بالمعونة الأمريكية، وقتها تم بسرعة تحويله إلى محكمة مدنية على أعلى مستوي ولم تصمد التهم الواهية التي قدمتها الحكومة ضده أمام قضاء عادل، وخرج سعد الدين إبراهيم منتصرا من المعركة.

منذ القبض الأول على سعد الدين إبراهيم وحتى كتابة هذه السطور وسمعة النظام المصري في تدهور مستمر، وسلطت القضية الضوء على هذا النظام، وبعد أحداث 11 سبتمبر ومطالبة الغرب بإصلاحات في العالم العربي، اتضح بشكل أكثر مدي جمود النظام وإصراره على خلط كل الأوراق من أجل أستمراره وشلة المنتفعين حوله.

من مناورات سنة الانتخابات حاول النظام المصري البحث عن موطئ قدم جديد له في الخريطة الجديدة للشرق الأوسط بالتدخل في القضية التي يجيدها وهي قضية فلسطين، وأصبحنا نسمع الرئيس مبارك يمتدح شارون بمناسبة وبغير مناسبة. وأتخذت عدة خطوات تجاه إسرائيل ونحوالملف العراقي كلها تصب فى محاولة تدفئة العلاقات مع أمريكا وتحييدها فيما يتعلق بتطورات الداخل المصري واستمرارية النظام بشكل أو بأخر.

فجأة يتم القبض على أيمن نور وفقا لأسباب تبدو بوضوح ملفقة أيضا، إذا كيف يتم الموافقة على حزب بناء على توكيلات والزعم بعد ذلك بأنها مزورة ؟!، وهل من مهمة رئيس الحزب التأكد من صحة كل توكيل يصله؟! العملية كلها غير مقنعة وغير مريحة، فالمفروض قبل الموافقة أن يتم التأكد من صحة التوكيلات وإلا بناء على ماذا يتم منح الترخيص ؟
إن الأسابيع التي تلت تأسيس الحزب أعلنت عن نفسها أنه حزب حقيقي نشط به أعضاء كثيرون وشخصيات هامة.

ومثلما خرج حزب الغد بشكل مفاجئ وبسرعة نسبيا مثلما تم تدبير التهم لرئيسه بنفس السرعة أيضا !! ولم يراعي عضويته في مجلس الشعب ونقابتي المحاميين والصحافين ورئاسته لحزب ونشاطه المتزايد في المجتمع المصري، كما أن طريقة والسرعة في إسقاط الحصانة عنه تعلن عن نفسها بأن مجلس الشعب،الذي يدعي إنه سيد قراره، جاءته أوامر عليا نفذها كما ينفذ موظف صغير تعليمات رئيس المؤسسة، وهذا أيضا يلقي الضوء على مأساة الخلط بين السلطات الثلاثة في بلد يدعى أنه يتجه ناحية الديمقراطية. كما أن حبس نور أيضاً وهو شخصية عامة لن يهرب من البلد يوحي هنا بالانتقام منه ومحاولة تأديبه.

 لقد سمعت عددمن التخمينات حول سبب أعتقال أيمن نور المفاجئ ولكن لي رأي أخر فيما يتعلق بقضيتي سعد الدين إبراهيم وإيمن نور وفي تعامل النظام المصري مع مثل هذه القضايا. من خلال متابعتي لسلوك النظام المصري الحالي على مدي عقدين استطيع القول أن هذا النظام لا يتسامح ازاء فكرتى التأثير وفكرة التعامل مع الخارج وبالمناسبة هما فكرتان متلازمتان.

بالنسبة لفكرة التأثير، لا مانع لدي النظام المصري أن تصيح وتشتم وتنتقد وتتطاول حتى على رأس النظام نفسه طالما أن هذه الأفعال تتم في الداخل وبشكل محلي محدود، ويستطيع المرء ملاحظة ذلك من قراءة بعض الصحف المحدودة الأنتشار وهي تقول كل شيء ضد النظام وكله يتم في إطار اللعبة الداخلية.

إذا خرجت عن التهريج المحلي إلى التأثير عن طريقة تقوية ذاتك بالمجتمع الدولي، فأنت في هذه الحالة ستصبح مستهدفا من قبل النظام المصري. إذن فكرة التأثير الحقيقي في مصر في أي قضية هي مرتبطة بالخارج وليس بالداخل، والخارج هنا يعني مراكز صنع القرار الدولي والتأثير فيه وهي العواصم الغربية وفي مقدمتها وأهمها بالطبع العاصمة واشنطن.
  وبالنسبة لأيمن نور ففي حزبه مجموعة من الشخصيات تستطيع أن تترجم طموحه إلى علاقات أقوى مع الخارج تجعل من هذا الحزب رقم في المعادلة المصرية. من خلال متابعتى لما يحدث فى الغرب استطيع أن أجزم أن الغرب وخاصة أمريكا لا تعرف بدقة حجم التأثير السياسي الحقيقي للقوى المحلية ولكنها تعرف من يتصل بها ويحاورها،وهي تحوله من رقم ضعيف في المعادلة إلى رقم يحسب له ألف حساب، فالدول التي تسيطر عليها الحفريات الفكرية، والشلل السياسية الفاسدة، والأنظمة المستبدة يكون تأثير الداخل عليها ضعيفا ويبقي الخارج عاملا أساسيا من عوامل التغيير في هذه المجتمعات.

  لقد تحول سعد الدين إبراهيم من عالم اجتماع معروف دوليا قبل القبض عليه إلى أهم شخصية عربية في العالم الغربي بعد القبض عليه، يساهم بفاعلية بأفكاره ومحاضراته ولقاءاته مع كبار المسئوليين، لقد أصبح مسموعا على أعلى مستوي من قبل المثقف وصانع القرار في الغرب، ومجموعة المقالات التي كتبها في العامين الأخيرين في الواشنطن بوست والوول ستريت جورنال عن مصر والمنطقة العربية أزعم انها أخذت بشكل جاد اثناء صياغة مشروع مجموعة الثمانية لإصلاح المنطقة العربية. ومع الفارق الشاسع بين سعد الدين إبراهيم وأيمن نور، إلا أن حبس أيمن نور بالتأكيد سيحسب لصالحه في النهاية بشكل أو بأخر، إذا احسن استثماره، ويكفي ما حدث من إدانة أمريكية فورية على أعلى مستوي لمسألة حبسه ,وما نشر فى كبريات الصحف كالنيويورك تايمز والواشنطن بوست والوول ستريت جورنال حول مسألة القبض عليه وأدانة ذلك.

في السنوات الأخيرة أنقسم العالم العربي إلى فريقين فيما يتعلق بالخارج، فريق محترم وواقعي وواعي للتغيرات العالمية، وهذا الفريق يرى أن مراكز التأثير في الديكتاتوريات المحلية يأتي من الخارج، وأن التحالف مع التيار الدولي من أجل الإصلاح أصبح محل اجماع بين الشخصيات المحترمة التي تسعي بجد لإصلاح مجتمعاتها. وهناك فريق آخر يتألف من النظم الفاشية الحاكمة، والشلل الفاسدة المحيطة بها مع التيارات الفكرية القديمة وكلهم ألتقوا على أرضية واحدة وهي رفض أي شئ من الخارج، وفي النهاية هذا التحالف غير المقدس يسعي لإستمرار الاستبداد والفساد بطريق أو بأخر سواء باستمرار الاستبداد الحالي أو استبداله بنوع جديد من الاستبداد، فقط تغير شكل الاستبداد.
  إن المصلحين يدركون تماما أن التغيير الحقيقي يدعمه التحالف مع الإصلاحيين الدوليين بما في ذلك القوى الغربية التي تدعم الإصلاح حاليا حتى ولو كان لمصلحة غربية، فالمصلحة في النهاية سوف تعود على الطرفين. 

 الرسالة لأيمن نور هى لا تنزعج لأنها فرصتك لأن تحاول أن تتخلص من الشوائب في تاريخك وتقدم نفسك للعالم كشخصية جادة ترأس حزب واعد به كوادر صالحة للمشاركة في التغيير، والغرب بالتأكيد طرف أساسي في معادلة التغيير الداخلي، والأمر في النهاية يتوقف على صلابتك الشخصية ومنظومتك القيمية والأخلاقية، فإذا كنت تملك الصلابة والقيم فستنتصر بشكل باهر في النهاية، وإن لم، ستصبح جزء من لعبة التهريج الداخلي.

magdikh@hotmail.com

http://www.elaph.com/ElaphWriter/2005/2/42732.htm

ماذا يعني اغتيال الحريري؟

 مجدي خليل

الثلائاء 22 فبراير 2005

استشهد رفيق الحريري في لبنان ومن أجل لبنان وفداء للبنان، مات الحريري رجل الدولة، الشخصية العربية الدولية البارزة التي لم تتورط في الحرب وإنما أنغمس في الوفاق الوطني والسلام المدني والأعمار، وجسد نموذجا لرجل الأعمال العربي الذي يعرف جيدا المسئولية الاجتماعية للرأسمالية الوطنية،وهي نماذج متوافرة بكثرة في المجتمع الأمريكي ولكنها نادرة في المجتمعات العربية. رحل الحريري ولم يضبط في حياته عابسا ولكنه دائم الابتسامة منشرح القلب متفائل بالمستقبل دائما ينظر إلى الأمور نظرة كلية ولا يلتفت إلى الوراء ولا إلى الأشياء الصغيرة وهذه هي طبيعة الشخصيات الكبيرة الناجحة في كل العالم وعبر التاريخ.

ولكن السؤال ماذا يعني اغتيال الحريري ؟
أولا: يعني اغتيال الحريري صحة النظرية التى تربط بين الاستبداد والإرهاب. وأن محاربة الإرهاب تستلزم حتما محاربة الاستبداد والتخلص منه، فعلاوة على أن الديموقراطيات لا تحارب بعضها فأنها أيضا تخلق مناخا شفافا يساهم بفاعلية في محاصرة الإرهاب، أما الإرهاب فينتعش في أجواء الاستبداد والحكم الفاسد وتعشش أوكاره حول المستبدين، وهو جزء رئيسي من أدوات هذه الأنظمة المستبدة في ترويع خصومها ومواطنيها. إن هناك تلازما بين ثالوث الاستبداد والفساد والخراب.. إن الأنظمة المستبدة لم تستخدم الإرهاب كأداة رئيسية من أدواتها فحسب، بل أنها بفسادها واستبداها وقسوتها جعلت معارضيها أيضا يستخدمون أحيانا نفس الأداوات، وأغلب الجماعات الإرهابية في المنطقة العربية هي نتاج أساسي لأجواء الاستبداد العربي. وازعم أن ابتلاء العالم العربي بهذه الجماعات الإرهابية ما كان سيحدث لو كانت هناك أجواء ديموقراطية تنعم بها المنطقة.
ثانيا: فتح اغتيال رفيق الحريري الجدل بصوت عال داخل لبنان وخارجه حول مسألة أهمية الجانب الدولي فيما يتعلق بموضوع التحقيقات والحماية، بعيدا عن الكلام التقليدي عن سيادة الدولة وغيرها من الأدوات التي أستخدمتها كل الأنظمة المستبدة منذ ظهور الدولة القومية. فأمن الأنسان وحرية الإنسان وكرامة الإنسان أمور أهم بكثير من مسألة سيادة الدول، فالسيادة التي تكون نتائجها الرئيسية هي اضطهاد المواطن وأقتراف كافة الجرائم ضده، هذه ليست سيادة وإنما إستعباد يجب أن يسعي كل الأحرار للتخلص منه.
إن إجراء تحقيق دولي عادل وشامل حول مسألة أغتيال الرئيس الحريري لم يكن مطلبا فرنسيا فحسب، ولا مطلب المعارضة اللبنانية فحسب، وإنما هو مطلب يلقي إجماعا شعبيا لبنانيا، وهو مطلب مؤيد من كل دعاة العدالة والحرية من غير اللبنانيين في العالم العربي وخارجه.
إن لبنان يمر بمرحلة حرجة وتطورات داخلية مخاضية ويحتاج في هذه المرحلة إلى حماية دولية حتى تسفر هذه التطورات عن سيادة الديموقراطية والحريات بعيدا عن دولة المخابرات والحروب الأهلية والأيادي المقيتة التي تعبث بتجربته الحضارية الفريدة.
ثالثا: يمثل أغتيال الحريري جريمة سياسية وليست جنائية، وفي الجرائم السياسية الكبيرة والخطيرة مثل تلك الجريمة تكون مخططة بعناية ولها أهدافها، وجهات تقف ورائها، وفي حالة اغتيال شخصية محورية مثل الرئيس الحريري فإن حجم التخطيط كان على مستوي عال، فنيا وزمنيا وتمويهيا، وهذا ما يقودنا إلى النقطة الهامة التالية.
رابعا: أن هناك فرقا بين الأدلة الجنائية والأدلة السياسية، ومن الصعب جدا في جرائم الإرهاب والجرائم السياسية الوصول إلى أدلة جنائية تدين الفاعلين الحقيقين، وحتى التحقيق الدولي أشك فى إنه سيصل إلى إدلة جنائية مؤكدة. ولكن الهدف الأساسي هو الأدانة السياسية للمناخ السياسي الذي أفرز مثل هذه الجرائم. وقد كتبت مقالا بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة أفردته فقط للفرق بين الأدلة السياسية والأدلة الجنائية، وقلت أن الولايات المتحدة لو انتظرت أدلة جنائية محكمة لإدانة الإرهابيين فإن هذه هي الوصفة السحرية لإنتشار الإرهاب وليس محاصرته، وحسنا فعلت الولايات المتحدة حيث بنت تحركاتها ضد الإرهاب الدولي وفقا للادلة السياسية لمحاصرة الأسباب الأوسع المتسببة في هذه الظاهرة.
خامسا: ظهور شخص عبر شاشة الجزيرة يعلن أنه ينتمي إلى منظمة أطلق عليها " جماعة النصر والجهاد في بلاد الشام" وإن منظمته مسئولة عن أغتيال الحريري انتقاما من السعودية هو جزء من تمويه الجريمة، ولكنه أتي بنتائج عكسية حيث بدأ الموضوع تافها وسطحيا ومفتعلا. وهو ما جعل الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي يقول " أن أقحام بلاده في عملية أغتيال الحريري، بأنها عملية سخيفة، والتي قد تكون لأهداف معينة، وإنه لا يعتقد بوجود تلك الجماعة الإرهابية التي بثت الشريط ". إن هذا الفعل الساذج فتح المجال واسعا حول كثير من العمليات الإرهابية المخابراتية، والتي تحدث في العراق وغيرها، وتنسب إلى الجماعات الإسلامية الإرهابية، وقد اختلط الحابل بالنابل في هذه العمليات، والكثير منها في الواقع من تدبير وتخطيط أجهزة مخابرات عربية وغير عربية معروفة باتجاهاتها الدموية والتخريبية وتسعى لتفجير الموقف في العراق ولبنان لأسباب داخلية بحتة تمس جوهر انظمتها السياسية واوضاعها الداخلية الصعبة.
 سادسا: إنه من المبكر جدا توجيه أصابع الاتهام الجنائي إلى جهة معينة إو إلى دولة معينة قبل إجراء تحقيق دولي شامل يسفر عن شئ، ولكن كما قلت أن المسألة في النهاية تتعلق بالمناخ السياسي الذي خلق العوامل التي أدت إلى هذه الجريمة، وفي هذه الحالة يمكن أن نوجه أتهاما سياسيا بناء على أدلة سياسية لا تخطئها العين. وبعيدا عن التصريحات العاطفية التي أعقبت هذه الجريمة الشنعاء يمكن أن ترصد بعض الكتابات والتصريحات التي تبدو منطقية ومتماسكة في هذا الإطار فيقول رضوان السيد في صحيفة الشرق الأوسط في وصف هذا المناخ الذي تعيشه لبنان " أطراف الحرب هم الذين تولوا السلطة السياسية الجديدة، وهم جميعا تحت القبضة الأمنية السورية، تساعدها الأجهزة الأمنية اللبنانية التي أعيد بناؤها، أما المدنيون القدامي والجدد، وعلى رأسهم الحريري، فقد عهد إليهم بالجزء المدني من الدولة. والوزارات وإدارات الدولة جري أقتسامها من جانب حلفاء سوريا، والأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية نمت أدوارها ليس في الجوانب الأمنية والعسكرية فحسب بل وفي الانتخابات وقوانينها وفي الاقتصاد والمصارف اللبنانية ".
وفي بيان للتجمع الوطني الديموقراطي في سوريا جاء فيه " إن الجرائم وأعمال التخريب المتعددة الأطراف والأهداف، والتي تجري في لبنان، ما كان لها أن تنجح، لو أن العلاقات اللبنانية السورية صحيحة وصحية، مبنية على أسس الأحترام المتبادل، والعلاقات المتكافئة بين الشعبين والدولتين، بإقامة التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي والاستراتيجي، دون التدخل الأمني في الشئون الداخلية والتأُثير على التجربة الديموقراطية اللبنانية ومؤسساتها السياسية والدستورية ".
وقد ذكرت محطة س. أن. أن،عن مصدر في الأمم المتحدة، إنه كان قد تم توجيه عدة رسائل قوية قبل مقتل الحريري إلى سوريا فيما يتعلق بأمن الحريري وأمن جنبلاط.
وقد ذكرت صحيفة الحياة في عددها بتاريخ 13 فبراير 2005 " أن الأسرة الدولية أعطت رسالة واضحة لسوريا، بعد القيام بعمليات سفك دماء لأي معارضين في لبنان، وشددت الرسالة على أن تعرض وليد جنبلاط ورفيق الحريري لأي محاولة اغتيال سيشكل نقطة القطيعة النهائية بين سوريا والأسرة الدولية "، وفى اليوم التالى لنشر هذا الخبر.. اغتيل الرئيس الحريري.
 إن الأنظمة المستبدة لا تحكمها قواعد المنطق التي تحكم التصرفات الإنسانية الرشيدة، فالأستبداد السياسي قرين الغباء وغياب الرشد، وهو لا يتخلي عن حماقاته إلا إذا وصلت المطرقة الحديدة إلى رأس النظام وهو ما يسمي بسياسة " حافة الهاوية". وقد أرتكبت الأنظمة السياسية المستبدة كافة الجرائم وكافة الحماقات بدون اي منطق أو عقل، وبالطبع بدون أي حسابات رشيدة لأي أوضاع أو ردود فعل اقليمية ودولية، ومن يشك في ذلك عليه رصد الحماقات والجرائم التي ارتكبها صدام حسين منذ مجيئة إلى الحكم وحتى سقوط نظامه الغير مأسوف عليه. للمستبدين حساباتهم الخاصة خلافا لكل التفكير الإنساني العقلاني الرشيد.
سابعا: من حظ لبنان السئ إنه مثل عبر تاريخه الحديث نظام أشبه بالديموقراطيات الغربية وسط محيط من الدكتاتوريات العربية، ومثل بؤرة حضارية في تماس حقيقي بين الغرب والشرق وسط بيئة أقليمية متخلفة وفي حالة عداء مع الحضارة القائمة. ولهذا دفع لبنان ثمن التدخلات العربية السلبية في شئونه الداخلية من الفلسطينيين إلى السوريين ومرورا بأغلب الأنظمة العربية. ورغم أن المثل يقول من " يشرب من النهر لا يتبول فيه" إلا أن العرب استمتعوا بكل مظاهر البهجة والفرح والجمال اللبناني بل بلبنان الملجأ للمضطهدين وفي نفس الوقت وضعوا أيديهم وانوفهم بقساوة على التجربة اللبنانية لتخريبيها. ومنذ أتفاق الطائف الذي ساهم الحريري والسعودية بدور رئيسي فيه تحاول سوريا تخريب هذا الاتفاق وجر لبنان بكل قوة إلى نادي الدكتاتوريات العربية ودولة المخابرات القمعية،وما أغتيال الحريري إلا مظهر من مظاهر التدخلات العربية الفاسدة في التجربة اللبنانية.
وأخير: يدي على قلبي خوفا على أبو مازن ونرجو الله أن يحفظه بعيدا عن أيدي المخربين والقتلة، فكل من يحمل في يده غصن السلام ويسعي بشجاعة نحو تحقيقه ويساهم برؤية إيجابية في بناء دولته أجد نفسي خائفا عليه، فهذه المنطقة تعادي البناءين وتحتضن المخربين.

كاتب ومحلل سياسى-واشنطن
magdikh@hotmail.com