http://rosaonline.net/alphadb/article.asp?view=1175

03/11/2005

 

القضية الوطنية فى مصر

 

لاشك أن الأزمات الطائفية التى تمر علينا بين الحين والآخر تستحق منا ليس أن نرصدها، فحسب، بل نحاول-أيضا- أن نقوم بتحليلها فى السياق العام الذى نريد أن ننتهجه فى سبيل حل هذه الأزمات حالياً، وتجاوزها فى المستقبل القريب، وتوقفها تماما فيما بعد. وهنا يجب أن نؤكد على عدة بديهيات حول التوتر الطائفى الأول (زوجة الكاهن) كنموذج استرشادى يتكرر كل فترة بأشكال مغايرة مثلما حدث فى الفيوم (وتم احتواؤه سريعاً) بعد أقل من شهرين من التوتر الأول: أولا: إن هناك هجوماً واضحاً بشكل مباشر من الغالبية العظمى من الصحف والمجلات (حكومية وحزبية ومستقلة) على الكنيسة، بالإضافة إلى التجاهل الذى تم إلى حد كبير من الكنيسة تجاه الرأى العام، ولتوضيح بعض الحقائق حول الأزمة. كما بدا فى الأفق تخبط واضح فى إدارته. ثانياً: إن هناك نوعاً من الغموض الذى أحاط بالقضية من بعض القيادات الرسمية التى أدلت بتصريحات ثبت عدم صحتها من النائب العام فيما بعد. كما أن هناك العديد من المغالطات والشائعات التى تم ترويجها على أنها الحقيقة، رغم كونها تصل فى بعض ماقيل إلى نقيض الحقيقة. ثالثاً: إن هناك هواجس فعلية فى صورة المسيحى وكنيسته عند المسلم العادى فى مصر. وهو ماظهر بوضوح فى العديد مما تسمعه من رجل الشارع العادى. وهى ثقافة لايمكن تجاهلها لأنها تعبر عن قاعدة عريضة.. كثيراً ما أهملناها. رابعاً: إن التيار الإسلامى الذى أصدر بياناً يكرس التعصب والطائفية.. قد أخذ منحى جديدا فى توجهاته، وهو مغازلة الأمن والدولة فى مصر على حساب الكنيسة من جانب، وهناك محاولات لإعادة صياغة ماحدث بشكل مغاير لما حدث من جانب آخر (مثلما كتب أحد الإسلاميين فى صياغة بعض شعارات الشباب فى الكاتدرائية وكأنها ضد كبار قيادات الدولة فى محاولة للتلفيق يتكرر فيها ما تم ترديده فى نهاية عصر السادات) وظهور بوادر مغازلة الأمريكان بأشكال غير مباشرة. هذه مقدمة لابد منها قبل أن ندخل على التساؤلات الأساسية لهذا المقال، وهى أسئلة مشروعة تستحق أن نتوقف أمامها، والتى نجملها فى سؤال أساسى تتفرع منه عدة أسئلة. والتساؤل الأول الإشكالية هو: من المنوط به حل القضية الطائفية.. الكنيسة أم الدولة؟!!. وأظن أن الجميع متفق أن الكنيسة طرف فى القضية، وبالتالى فهى لاتملك الحل بمفردها فقط. غير أن هذا لاينفى إنها طرف أساسى فى حل هذه القضية، وهو ما ينسحب على الشق الثانى من السؤال. فالكنيسة والدولة طرفا المعادلة التى فى تفاعلها الإيجابى حل لكل التوترات الطائفية، وفى ظنى أن المجلس القومى لحقوق الإنسان وحده هو المنوط به إحداث هذا التفاعل الإيجابى بين الكنيسة والدولة، وليس فى مجلس آخر مستحدث، كما طالب البعض بمجلس قومى للوحدة الوطنية أو مجلس قومى للمواطنة لأن القضية ببساطة ليست فى إنشاء مجالس وتعددها بقدر ما هو الدور الذى تقوم به هذه المجالس.. فالحريات السياسية والفكرية والدينية هى من صميم عمل المجلس القومى لحقوق الإنسان فى إطار مسيرة الإصلاح التى نطمح إليها. وبالتالى، فالأولى هو المطالبة بالمزيد من التفعيل لصلاحيات هذا المجلس الذى يضم نخبة من الرموز الفكرية التى نتفق على العديد منهم بالإضافة لما يمكن أن يقوم به المجلس من تشبيك وشراكة مع مؤسسات المجتمع المدنى المماثلة فى سبيل الإصلاح المنشود. كما أعتقد أنه من المفيد أن يظل المجلس القومى لحقوق الإنسان على اتصال مباشر برئيس الجمهورية لتفادى مثل هذه الأزمات واحتوائها فى البداية قبل أن تتفاقم للحد الذى يترك أثراً سلبياً فى العلاقات بين أبناء الوطن الواحد. وقد طالبت بهذا الأمر قبل ذلك لمدى خطورة هذه التوترات الطائفية على الأمن الاجتماعى والسياسى لوطننا العزيز، وأؤكد هنا إنى لاأشك فى كفاءة الأجهزة الأمنية المتعددة فى التعامل مع هذه الأزمات بقدر ما أطمح فى القدرة على الحلول المستقبلية.. فالأمن منوط به الاستقرار الحالى، أما ما نبغيه هو الاستقرار المستقبلى. وجدير بالذكر، أن هذا المجلس يمكن أن يكون القناة الرشيدة فى علاقة الكنيسة بالدولة فى الجزء الخاص بالتوترات الطائفية لضمان النزاهة والشفافية. أما التساؤل الثانى من الذى يتحدث باسم المسيحيين فى مصر؟ وبالطبع، كان المقصود بشكل غير مباشر هو البابا شنودة الثالث، وللأسف الشديد أخذ السجال منحى الهجوم أكثر بكثير من منحى النقاش الموضوعى الرصين والمحايد.. رغم كونه تساؤلا يستحق النقاش. وفى ظنى أنه لايوجد شخص محدد يتكلم باسم المسيحيين فى مصر، وفى المسيحية يمثل البابا رأس الكنيسة حيث يعاونه العديد من الأساقفة الذين يشكلون فى مجملهم المجمع المقدس الذى يقوم بدور السلطة الدينية العليا للكنيسة والمسيحيين، وبالتالى فالسلطة هنا هى سلطة دينية فقط، وليست سلطة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية. مع تأكيدنا على التمييز بين كل من: الانتماء السياسى/ الوطنى والموقف/ العمل السياسى أى الفصل بين الموقف السياسى الناتج عن فهم مجريات أمور الوطن وبين العمل السياسى كرد فعل للفهم السياسى. وعندما يصرح البابا أو أية رتبة دينية برأى فى قضية ما، فهو يعبر عن موقف المؤسسة الدينية المسيحية المصرية. فالموقف الوطنى للكنيسة هو الموقف الذى يعبر عن إجماع الوطن بكل طبقاته وفئاته وأديانه، وهو أمر مقبول ومطلوب، أما المرفوض فهو دور رجال الدين السياسى.. وهو غير مرغوب تماماً. غير أننا نرفض تماما الرأى الذى يؤكد عليه البعض باعتبار البابا هو الممثل للأقباط عند كل منعطف يمس الوحدة الوطنية... على اعتبار أن التعامل مع فرد- ممثلاً لجماعة - يجنب الكثير من متاعب التعامل مع القاعدة العريضة، وهو ما يكرس- الأمر الجلل- بأن يتحول البابا إلى زعيم سياسى، وأعتقد أنه أمر يرفضه البابا نفسه قبل غيره.. لما يترتب عليه من تسييس الدين والمصالح، وهو ما يجعلنا نؤكد على فصل الدين عن السياسة، وعدم التداخل بينهما وهذا لا يعنى مطلقاً أن يعتزل الدين المجتمع.. فسيظل الدين هو بمثابة الحصن الأول لكل مايهدد القيم والمبادىء الإنسانية السامية.. بالتنبيه لإقرار الحق والعدالة. على هذا النحو، تترك الكنيسة للمواطنين المسيحيين الحرية الكاملة فى قيامهم بأعبائهم الوطنية، دون أن توحى لهم بالتزام اتجاه سياسى معين، فيتحرك المواطن المسيحى بحرية تامة حسب نشأته الفكرية/ الثقافية وتوجهاته السياسية، ومن ثم تظل الكنيسة فوق كل ذلك تعمل فى اختصاصها الروحى والدينى فقط. ومما لاشك فيه، أن نظرة المسيحيين إلى شخص البابا- خاصة بعد تحديد إقامته فى الدير عام 1981- هى رمز لنظرة الأمة للبطل.. كحالة استثنائية تتسم بقوة العقل وصلابة الإرادة والقدرة على استشراف المستقبل وتحديد الأولويات كما أنه ليس صورة مكررة لأسلافه. فهو نتاج لعقل يفكر قبل أى شىء. وهو ما ينتج عنه مع مرور الزمن ازدياد ووضوح دور الفرد.. بينما يتوارى خلفه دور المؤسسة التى يتحدث باسمها ويعبر عن فكرها.. كظاهرة تعبر عن سيادة النمط المصرى تاريخياً، وسطوته على الأفراد وعلى المجتمع ككل فى آن واحد. أما التساؤل الثالث فهو ما العمل إذن؟!!. أعتقد إننا أصبحنا فى أمس الحاجة للتأكيد على مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان. وهو النهج الذى اتخذته الدولة فى الفترة الأخيرة.. مسيرة من أجل المستقبل. إن التأكيد على مبدأ المواطنة من خلال التزام كل المواطنين المصريين بواجباتهم أمام الدولة من جانب وممارسة كل حقوقهم وحصولهم عليها من خلال توفير الدولة لهامن جانب آخر هو الذى يضمن تساوى كل المصريين بدون تفرقة أو تمييز فى محيط يحترم التعدد وينتهج الحياد التام.. من أجل الوصول لمناخ سياسى منضبط. وهذا المبدأ لايتحقق إلا بالتكامل فى الإصلاح، وفى سبيل ذلك أقترح هنا موجزاً لبعض ماذكرته فى كتابى الأخير المواطنة والعولمة.. الأقباط فى مجتمع متغير فى منظومة التغيير الأساسية: التعليم والثقافة والإعلام أى فى المناهج الدراسية والصحف والمجلات والكتب والبرامج والأفلام والمسلسلات، وذلك على النحو التالى: - رفض كل تهم التكفير والشرك والتفسيرات الرائجة التى يستخدمها البعض لمهاجمة أى دين أو أصحابه وأتباعه. - رفض كل تهمة تتعلق بما اصطلح على تسميته تحريف الكتاب المقدس أو القرآن الكريم والسقوط فى شرك صحتهما بالنظريات العلمية المتغيرة. - رفض جميع أشكال العنف والتهجم والسخرية بين كل طرف والطرف الثانى. -رفض النظر لأقباط مصر وكنائسهم كامتداد للمشروع السياسى الغربى. إلى متى نتكلم؟ ومتى نصنع فعلاً مستقبليا فى هذ الأمر بدلاً من رد الفعل المتأخر ذى العواقب الوخيمة دائماً؟! ومن له أذنان للسمع.. فليسمع.

 

هـانـى لبيـب