تقارير المراسلين

43207 ‏السنة 129-العدد 2005 مارس 24 ‏14 من صفر 1426 ـ الخميس

 

تقرير معهد واشنطن للرئيس بوش
حول مستقبل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط‏3‏ ـ‏3‏
أجنـدة إصـلاح جريئـة لا تضـر بالحلفـاء في المنطقـة العربيــة

تقرير‏:‏ عزت إبراهيم

يؤكد الخبراء الأمريكيون الذين عكفوا شهورا علي خروج تقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني الي النور‏,‏ أن دعم الاصلاح في المنطقة العربية لم يعد خيارا يمكن التساهل بشأنه‏,‏ بل صار مكونا اساسيا في توجهات الادارة الأمريكية خاصة في فترة الرئيس جورج بوش الثانية‏,‏ المذهل أن الكثير مما ورد في التقرير الذي شارك فيه نخبة من السياسيين والخبراء‏,‏ دخل حيز التنفيذ في الاسابيع الأخيرة‏,‏ أي بعد أيام قليلة من صدوره ورفعه الي البيت الابيض في صورة توصيات قابلة للتنفيذ‏,‏ للتذكرة‏,‏ يحمل التقرير عنوان الأمن ـ الاصلاح والسلام‏:‏ الأعمدة الثلاثة للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط‏.‏

وترأس الفريق الرفيع المستوي في تقرير‏2005‏ كل من ستروب تالبوت مدير مؤسسة بروكنجز للأبحاث ودينيس روس مدير المعهد‏,‏ الذي يعد لسان حال السياسات الاسرائيلية في الدوائر الأمريكية العليا‏,‏ والهيئة القيادية من‏14‏ خبيرا بارزا في مقدمتهم مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية الاسبق‏,‏ وصامويل برجر مستشار الأمن القومي الامريكي الاسبق‏,‏ ونيوت جينجريتش الرئيس الاسبق لمجلس النواب‏,‏ والخبراء جين كيرك باتريك وصامويل لويس وجيمس ويلسي وآخرون‏,‏ بينما ضمت عضوية اللجنة التي طافت الشرق الأوسط طوال العام الماضي‏37‏ عضوا من ابرزهم المفكر فرانسيس فوكوياما وروبرت كيجان ومارتن انديك‏.‏

الإصلاح السياسي والعلاقات الثنائية‏:‏
تقول مجموعة معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني‏,‏ ان الديمقراطية والتحرر السياسي والديمقراطي‏,‏ والاصلاح الاقتصادي‏,‏ لابد أن تصير جميعها مكونات محورية في العلاقات الثنائية التي تربط الولايات المتحدة بالدول الرئيسية في المنطقة‏,‏ وهو تحد كبير‏,‏ فقد ولت الايام التي كانت فيها الولايات المتحدة تدعم الأنظمة الشمولية لدواقع عدة منها الحرب علي الشيوعية ولتحقيق السلام بين العرب واسرائيل‏,‏ واليوم تشكل الاصولية الاسلامية والارهاب خطرا داهما علي المواطنين الامريكيين ومصالح الولايات المتحدة‏,‏ بما يجعل الهياكل الاساسية الداخلية للمجتمعات الاسلامية مشروعا محوريا للأمن القومي الأمريكي‏.‏

لذلك فإن الترويج الجريء الذي يقوم به الرئيس الأمريكي للحريات والديمقراطية‏,‏ بدلا من معادلة الاستقرار التي غلفت السياسة الأمريكية حيال الشرق الأوسط طيلة عقود‏,‏ هو بمثابة نقطة تحول كبير تملك مقومات احداث تحول ايجابي وعميق في طريقة ادارة واشنطن لعلاقاتها مع الاصدقاء والخصوم علي نحو سواء‏.‏

وأمام الرئيس الأمريكي في الفترة الثانية لحكمه فرصة لتحويل الخطاب بشأن الاصلاح الي مضمون حقيقي‏,‏ وهو مايمكن ان يشتمل علي بناء علاقات مشاركة مع الاصلاحيين‏,‏ سواء في داخل أو خارج الحكومات وتوظيف الادوات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية‏,‏ بالاضافة الي الموارد البشرية التي في متناول الولايات المتحدة‏,‏ أمام الولايات المتحدة تحد يتمثل في تحويل المباديء الي سياسات واقعية والذي من ناحية يشجع الدول علي اطلاق العنان لكامل الطاقات البناءة المخزونة لدي الشعوب وتوسيع المشاركة في الحكم لكل المواطنين‏,‏ ومن ناحية أخري‏,‏ عزل المتطرفين ومنعهم من استغلال مناخ الحريات الجديد لفرض رؤية قاصرة للاسلام علي المجتمع‏,‏ والفشل في تزامن الخطاب السياسي القوي مع افعال قوية سيكون بمثابة دعوي جديدة للطغاة لمزيد من الممارسات السلطوية‏,‏ وهو ما سيؤدي بحكم تجارب الماضي الي تصدير مزيد من الارهاب الي سواحل امريكا والعمل ضد المصالح الأمريكية‏.‏

وهناك أربعة معايير تحكم علاقة واشنطن بحكومات الشرق الأوسط‏,‏ وهي التزامها بمحاربة الارهاب‏,‏ والالتزام بالقضاء علي اسلحة الدمار الشامل‏,‏ والالتزام بحل سلمي للصراع العربي ـ الاسرائيلي عبر القنوات الدبلوماسية وتطبيق اصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية اساسية‏,‏ مثل ظهور حكومات تمثيلية تتمتع بالشفافية والمسئولية وحكم القانون‏,‏ ومن منطلق تقوية البعد الأخير ـ يجب دمج اجندة الاصلاح في المكون الاساسي للسياسة الخارجية الأمريكية والتغيير المتواصل‏,‏ لا يهدف وحده الي تجريد المتطرفين من مصادر قوتهم بل ايضا ضمان استمرار علاقات مستقرة وقوية مع الولايات المتحدة‏.‏

وعلاقة رئيس أمريكا بالزعماء الأجانب‏,‏ هي التي تحدد مسيرة وتغلغل الاصلاح في اوساط الاجهزة الحكومية البيروقراطية‏,‏ والحوارات الصريحة مع الزعماء الاجانب هي التي ستظهر لهم أهمية قضية الاصلاح‏,‏ وتعطي العلاقات الثنائية البعد الخاص بأن أمريكا أمام مهمة‏.‏

ويحدد تقرير معهد واشنطن عددا من المباديء التي ينبغي أن تحكم السلوك الامريكي المروج للاصلاح‏,‏ وهي‏:‏

ـ الاحتفاظ بهدف اوسع لكل منطقة في الوقت الذي تتحرك فيه الادارة بسرعات مختلفة لتحقيق اهداف متنوعة في دول مختلفة‏,‏ اي تبني منظور يتعامل مع كل دولة علي حدة في هذه العملية‏,‏ ومكافأة الدول وفقا لهذه القاعدة‏.‏

ـ اقتناص الفرص المتاحة والضغط من أجل تغيير متصل ومتصاعد‏.‏

ـ التنويع والخلط ما بين الاستراتيجيات الهادفة للتغيير‏,‏ سواء كانت من اعلي لاسفل أو من القاع الي القمة‏.‏

ـ ألا تخجل الولايات المتحدة من تقديم الدعم المادي للجماعات والحركات المروجة للحرية والديمقراطية في المجتمعات المنغلقة‏.‏

ـ يجب أن يكون هناك جهد أمريكي متصل لتشجيع النمو الاقتصادي والتنمية‏.‏

ـ مراعاة حساسية الاوضاع السياسية والأمنية للدول الحليفة‏,‏

ويدعو التقرير صراحة الي تطبيق تجربة عملية هلسنكي‏,‏ التي أسهمت منذ منتصف عقد السبعينيات في تطور الديمقراطية والأمن في اوروبا‏,‏ من خلال ضم دول حوض البحر المتوسط في شمال افريقيا والشرق الاوسط ضمن التجربة‏,‏ بدعوة الدول الست المشاركة في مفاوضات هلسنكي‏,‏ وهي مصر والمغرب والجزائر وتونس وسوريا واسرائيل‏,‏ للحصول علي عضوية كاملة وذلك بالتنسيق بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة ودول قمة الثماني الكبري‏.‏

ويوصي التقرير بتقوية موقف تركيا علي الصعيد الأوروبي‏,‏ ليس من اجل تقديمها نموذجا للآخرين في العالمين العربي والاسلامي‏,‏ ولكن بالاحري من اجل اظهار اهمية الاصلاح الداخلي في التقدم‏,‏ حيث لا يتعلق الأمر بالترويج بالعلمانية بما ان الحزب الحاكم اليوم في تركيا التي هي في طريقها الي الاتحاد الأوروبي يحمل صيغة اسلامية واضحة‏.‏

دور القيم الامريكية‏:‏
يجدد التقرير دعوته للادارة الأمريكية لأخذ زمام المبادرة والترويج للقيم الامريكية‏,‏ دون تردد أو وجل‏,‏ حيث مازالت هذه القيم وفي مقدمتها الحرية والليبرالية والمساواة‏,‏ وفي سياق احداث الشرق لأوسط‏,‏ سيتوجب الأمر ان تتحدث وتتصرف الادارة الامريكية بوضوح عن انتهاكات حقوق الانسان‏,‏ مثل القمع السياسي في ايران‏,‏ وبعض الدول العربية الأخري‏,‏ ولا يجب أن تخشي واشنطن من سقوط انظمة تدعم مصالح استراتيجية امريكية متنوعة‏,‏ فمن الناحية الفعلية‏,‏ في جميع دول الشرق الاوسط تتمتع مؤسسات الدولة بقوة كافية لتحمل أي نقد أمريكي‏,‏ في الوقت الذي يمكن التعامل مع واشنطن في قضايا أخري‏,‏ وبصورة عامة تحتاج الادارة الأمريكية الي الكف عن التوجس من ان يؤدي الحديث الصريح ـ خاصة علي مستوي المؤسسات العليا وفي الحوارات الخاصة ـ الي تقويض استقرار الحكومات الصديقة‏.‏

ويقول التقرير إن أكثر الدول عرضة لقوة انتشار القيم الأمريكية‏,‏ هي ايران التي يعاني شعبها إحباطا ويتوق الي أصوات دولية تتضامن معه ضد الواقع اليومي الصعب‏.‏

ومسألة الترويج للقيم الأمريكية بجسارة‏,‏ حسب التقرير‏,‏ قد تستغرق أبعد من فترة رئاسة مدتها اربع سنوات فقط‏,‏ بل هي مشروع جيل بأكمله بحكم انها تتصل بعملية ترك انطباعات ايجابية لدي الرأي العام الداخلي في دول العالمين العربي والاسلامي علي المدي الطويل‏,‏ ويقول التقرير ان المساعدات السخية التي قدمتها الولايات المتحدة لضحايا كارثة تسونامي في جنوب شرق آسيا والتدخل بوقف الابادة الجماعية في اقليم دارفور بالسودان‏,‏ هما من قبيل العمل الهادف لتحسين صورة الولايات المتحدة واظهار قيم التعاضد والعطاء في السياسة الأمريكية‏.‏

فرص جديدة في العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية‏,‏ يشير التقرير الي أن أهم حدثين سيؤثران بقوة في المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي‏,‏ هما خطة فك الارتباط التي اعلنتها الليكود للخروج من قطاع غزة‏,‏ وانتخاب قيادة فلسطينية جديدة‏,‏ وتؤكد المجموعة المرموقة التي اعدت التقرير‏,‏ ان التطبيق الكامل لتعهدات وقف اطلاق النار من جانب اسرائيل والفلسطينيين بموجب قمة شرم الشيخ الأخيرة‏,‏ هو امر اساسي لاتمام الاصلاح الفلسطيني ولتنفيذ خطة فك الارتباط النجاح الكامل لهاتين العمليتين يمكن ان يسفر عن ظهور حكومة فلسطينية شرعية ومسئولة في قطاع غزة‏,‏ ستعطي بدورها قوة دفع هائلة لاستكمال خريطة الطريق بما في ذلك استئناف المفاوضات حول الوضع النهائي وانضمام فلسطين الي مصاف مجتمع الدول المستقلة ذات السيادة‏.‏

وتوصي المجموعة الرئاسية الادارة الأمريكية‏,‏ بالتركيز علي النقاط المحددة التالية في التعامل مع عملية السلام‏:‏

ـ دعم عملية فك الارتباط خاصة جهود تنسيق الجوانب الامنية والاقتصادية بين الفلسطينيين والاسرائيليين‏.‏

ـ مساندة الاصلاحيين في المجتمع الفلسطيني لملء فراغ غياب ياسر عرفات‏.‏

ـ نجاح الخطوات السابقة سيؤدي الي وضع أساس جيد للمضي في تنفيذ خارطة الطريق‏,‏ واستئناف مفاوضات الوضع النهائي التي مازالت الطريق الآمن لحل النزاع طبقا لرؤية قيام دولتين متكاملتين‏.‏

ودعا التقرير الادارة الأمريكية الي العمل مع مختلف الاطراف بما فيها مصر والمجموعة الرباعية‏,‏ التي تضم الاتحاد الأوروبي وروسيا وامريكا والأمم المتحدة‏,‏ لتنفيذ جوانب متعددة تصب في مصلحة تعظيم فرص نجاح الاتفاقات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية‏.‏