43234 ‏السنة 129-العدد 2005 ابريل 20 ‏11 من ربيع الأول 1426 هـ الأربعاء

 

الجرح والسكين‏!‏


بقلم ‏:‏ أحمد عبدالمعطي حجازي

 

 

 

الأسئلة التي يطرحها علينا الحادث الإرهابي الأخير أكثر وأخطر من أن يجيب عليها أو يحصيها رجل واحد‏.‏ لكن كثرتها أو خطورتها لا تبرر لأحد أن يتجاهلها كما تعودنا أن نفعل وإنما ينبغي علينا جميعا أن نتوقف لنفهم ما حدث ونسأل أنفسنا‏:‏ هل يكون حادث الأزهر مقدمة لجولة جديدة في الحرب الإرهابية التي تشنها علينا جماعات الإسلام السياسي منذ ربع قرن؟‏.‏

لقد حقق الأمن المصري نجاحا مؤكدا في محاصرة هذه الجماعات وعزلها وكشف تنظيماتها وضرب مخططاتها وتقليم أظافرها‏.‏ والدليل هو توقف الأعمال الإرهابية في السنوات الثماني الأخيرة واستسلام الإرهابيين واضطرارهم لمراجعة أفكارهم والاعتذار عن جرائمهم‏,‏ لأن ضمائرهم استيقظت بعد نعاس طويل‏,‏ أو لأنهم في حاجة لتبرير استسلامهم لرجال الأمن والعدالة‏.‏

غير أن الشهور الأخيرة حملت لنا نذرا مخيفة تفرض علينا أن نطرح علي أنفسنا هذا السؤال الذي طرحناه‏:‏ هل هي جولة جديدة في حربنا مع الإرهاب الديني؟‏.‏

قبل شهرين فجر إرهابيون مصريون وفلسطينيون فندق طابا حيث سقط العشرات من القتلي والجرحي‏.‏ ومنذ أيام قليلة تعرض بعض السياح المجريين لطعنات بالسكين علي يد أحد المتعصبين في حي الأزهر‏.‏ ثم وقع الحادث الأخير الذي راح ضحيته عدد من السياح الأجانب والمواطنين بالإضافة إلي الإرهابي الذي فجر نفسه فيهم‏.‏

وقد سارعت وزارة الداخلية فأكدت أن هذه الحوادث لا رابط بينها‏,‏ وأنها ردود أفعال غاضبة علي ما يقع في فلسطين المحتلة والعراق‏,‏ وأن الذين قاموا بها أفراد لا ينتمون إلي الجماعات الإرهابية التي توقفت عن النشاط كالجماعة الإسلامية التي سمح لها أو ربما طلب منها أن تعلن رفضها لحادث الأزهر وتأثيمها له كأنها منظمة شرعية أو مرجع ديني نحتاج لرأيه ونأخذ بفتواه‏!‏

لكن الصحف عادت تقول إن الإرهابي المنتحر كانت تربطه علاقة بعدد من طلاب الجامعة وأن أمه تحدثت عن شخص كان بصحبته صباح الحادث‏.‏

ولاشك أن رجال الأمن يفحصون الآن هذه المعلومات وسواها مما يستطيعون أن يصلوا إليه ويمسكوا بخيوطه‏.‏ وسوف يعلنون نتائج أبحاثهم وتحرياتهم‏.‏ وسواء كانت هذه الحوادث منفصلة أو متصلة وسواء كانت عمل أفراد أو عمل تنظيمات فالنتيجة واحدة وهي أن الإرهاب يطل علينا بوجهه القبيح من جديد‏.‏

وإذن فالإرهاب لم يختف نهائيا ولم يذهب إلي غير رجعة‏.‏ لأنه لم يكن مجرد خروج علي القانون يتصدي له رجال الأمن ويستطيعون أن يجتثوه من جذوره وإنما هو نشاط يعتقد أصحابه أنه جهاد في سبيل تطبيق الشريعة وإعلاء كلمة الدين‏,‏ وأن هذا النشاط بطبيعته عنيف‏,‏ فالإرهابي في نظر نفسه يمثل الحق ويحارب الباطل بكل ما يملك من سلاح‏.‏ بل هو ينظر فيجد أن كل ما حوله يشجعه علي أن يلعب الدور الذي يلعبه‏.‏ الدستور الذي غيرته الدولة إرضاء للمتطرفين فحولت دعوتهم لتطبيق الشريعة إلي نص دستوري لم تستطع إعماله لأن إعماله يعود بنا إلي العصور الوسطي ومن هنا أصبحت الدولة متهمة بالخروج علي الدستور وأصبح المتطرفون المعادون للديمقراطية حماة للدستور يطالبون بإعمال نصوصه‏!‏

ولكي تؤكد الدولة أنها ليست أقل من هؤلاء المتطرفين حرصا علي إقامة الشعائر الدينية خصصت للدين مساحات واسعة في البرامج الدراسية وفي الإذاعات وقنوات التليفزيون وأعطت واجهاتها الرسمية مسحة دينية وغضت الطرف عن عمليات التسلل التي استطاعت بها الجماعات الدينية أن تسيطر علي المدارس والجامعات والنقابات المهنية فضلا عن المساجد والزوايا التي استغلتها هذه الجماعات لتدخل بيوتنا وتتحكم في كل شئون حياتنا الخاصة والعامة‏.‏

لقد نجحت هذه الجماعات في تديين كل شئ وكل نشاط وكل مكان‏.‏ العمارات السكنية ومكاتب العمل ووسائل المواصلات والمحلات الكبري والأسواق‏.‏ العلم أصبح معجزات والطب تعزيمات وأحجبة والاقتصاد استخارات وشركات توظيف أموال‏.‏ والأخلاق يوك كما يقول الأتراك أي منعدمة‏!‏

لم يعد التدين إيمانا أو ضميرا يملي علي الإنسان سلوكه ويفرض عليه أن يكون صادقا تقيا متواضعا رحيما وإنما أصبح التدين شعارات مرفوعة ومظاهر خارجية وميكروفونات صاخبة‏.‏ باختصار أصبح نشاطا سياسيا يمهد لاغتصاب السلطة وهذا هو المناخ الذي نشأ فيه حسن رأفت بشندي الإرهابي الذي فقد كل شئ وهو لايزال في الثامنة عشرة من عمره واقفا علي الخط الفاصل بين الطفولة والشباب‏.‏

هذه الأعوام الثمانية عشرة كيف قضاها هذا الطفل وأين قضاها ومن هم الذين رافقوه فيها وقادوا خطاه وقدموه للعالم وقدموا العالم له وشرحوا له معني الحياة والموت والخير والشر والوطن والدين والعلم والإنسانية والحرية وحقوق الإنسان؟

كم ساعة من حياته قضاها أمام شاشة التليفزيون وكم ساعة قضاها في فصول الدراسة وكم ساعة قضاها في المساجد والزوايا وكم ساعة قضاها في قصور الثقافة والملاعب والمكتبات؟

طفل فقير مسكين كهذا الطفل الذي لم يكن يجد في بيت أبويه مكانا يستذكر فيه دروسه تلقي كل ما تلقاه في مدارس الحكومة وإذاعاتها وقنواتها التليفزيونية ومساجدها ومكتباتها وملاعبها ففكره وسلوكه صناعة حكومية‏.‏

لقد أوتي مثله مثل معظم الأطفال المصريين ذكاء فطريا حادا وقدرة علي الفهم والتحصيل فأصبح باستطاعته أن يحصل في امتحان إنهاء الدراسة الثانوية علي أربعة وتسعين في المائة من مجموع الدرجات مما أهله لمواصلة دراسته في كلية الهندسة في الجامعة حيث لفت الأنظار بجده واجتهاده واجتاز الفصل الأول من السنة الدراسية الأولي بامتياز وأصبح عاشقا للكمبيوتر خبيرا في استخدام شبكة المعلومات الدولية‏(‏ النت‏)‏ لكن ما هي القيم الفكرية والأخلاقية التي زودناه بها حتي ينتفع بذكائه ويسخره في خدمة الحياة لا في خدمة الموت ؟‏.‏

يبدو أن هذه المؤسسات التي تولت تربيته لم تزوده بهذه القيم لأنها تعتقد أن ما يجوز اقتباسه من الحضارة الغربية الحديثة هو التكنولوجيا وحدها‏.‏ أما القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية فكل شعب له قيمه وتقاليده التي يجب أن يحافظ عليها‏.‏ وهذا هو المبدأ الذي سار عليه معظم مثقفينا خلال القرنين الماضيين فوجدنا مبعوثين يعودون من الخارج بأرقي الشهادات في أدق التخصصات دون أن يغيروا أفكارهم المتخلفة عن الشعب أو عن المرأة أو عن حقوق الإنسان‏.‏

وقد أدي الفصل الحاد بين العلم والأخلاق إلي ظهور أجيال من باعة العلم المحترفين الذين يضعون أنفسهم ومعلوماتهم في خدمة من يدفع الثمن لا يهمهم إن كان زعيم عصابة أو طاغية من طغاة الصحراء أو تاجرا من تجار المخدرات‏.‏ وهؤلاء هم الذين علموا حسن بشندي أن يكون متقدما في الهندسة‏,‏ ومتطرفا في الدين‏,‏ وكارها للحياة والبشر‏.‏ وإذا كان الدين نفسه قد تحول إلي مظهر لا روح فيه فقد أصبح العلم احترافا بعيدا عن أي التزام أخلاقي كعلم الدكتور فرانكشتين الذي مكنه من خلق المسوخ أو علم الدكتور فاوست هذا العقل الجبار الذي ظل ينساق لنزعاته الشريرة حتي غاص في أعماق اللعنة الأبدية‏.‏

لا علم بلا ضمير يكبح جماحه وإلا انهارت الحضارة وفنيت البشرية وفي هذا الضوء نفهم مأساة الإرهابي المصري المنتحر الذي أعتبره ضحية لكل المؤسسات التي تولت تعليمه وتوجيهه‏.‏ لقد لقنته هذه المعلومات التي فجر بها نفسه وقتل ضحاياه ولم تعلمه كيف يفكر وكيف يميز بين الخير والشر وكيف يهتدي إلي الحق والصواب‏.‏ هذه المؤسسات هي التي قمعت أسئلته وكبتت مشاعره وعواطفه وتركته مع هواجسه وأوهامه التي حولته في النهاية إلي قنبلة بشرية‏.‏ فإذا كانت هذه المؤسسات هي المسئولة عن تطرف حسن بشندي‏,‏ فلن يكون غريبا أن يظهر في المستقبل متطرفون آخرون‏!‏

وما الذي يمكن أن يفعله شاب مصري ذكي يذهب إلي الجامعة فلا يجد نشاطا ينخرط فيه إلا ما يفرضه عليه الطلاب والأساتذة المنتمون للجماعات الدينية‏.‏ ويفتح التليفزيون فلا يري من صور البطولة والمقاومة إلا ما يقدمه القتلة المنتحرون المتخصصون في خطف الرهائن وذبحهم‏.‏ ويقرأ الصحف فيجدها تقول له إن العالم كله يتآمر علي المسلمين ويشوه صورتهم ويحرف كتبهم‏.‏

لم يكن أمام حسن رأفت بشندي هذا الطفل الذكي المسحوق المراهق الذي أراد أن يكون بطلا إلا أن يفجر نفسه ليصبح شهيدا ويحشر مع الشهداء الذين يقرأ عنهم في الصحف ويسمع عنهم في خطب الجمعة ويراهم في التليفزيون‏!‏
مسكين‏!‏ إنه القاتل والضحية‏..‏ الجرح والسكين‏!‏
لقد عاش جائعا محروما مكبوتا حتي آن له أن يحتج‏,‏ فلما احتج فجر نفسه ومزق جسده‏!.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Attachments

Attachment scanning provided by:


Photos:

 

 

Save to Computer
Save to Yahoo! Photos

snewhegazess3.jpg(9k) [View]